الثلاثاء 27 يناير 2026 06:37 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. هانى المصرى يكتب : بينما كنا نحتفل بالأهداف… كانوا هم يحتفلون بنا

د هانى المصرى
د هانى المصرى

لم تفز الولايات المتحدة بكأس العالم لكرة القدم ولم تفز الصين ولم تفز روسيا ومع ذلك تمسك هذه الدول اليوم بمفاتيح الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والقرار السياسي والقوة العسكرية وهنا لا نتحدث عن صدفة بل عن اختلاف جذري في ترتيب الأولويات لقد تركوا للعالم كأس العالم وانشغلوا هم بالفوز بالعالَم نفسه

في المقابل ترسخت في أجزاء واسعة من الوطن العربي فكرة شديدة الخطورة مفادها أن الفوز بكأس العالم أهم من الفوز في مسابقة علمية وأن إحراز بطولة كروية يعد إنجازًا حضاريًا بينما التفوق في البحث العلمي خبر هامشي لا يلتفت إليه أحد وهذه ليست مجرد مفارقة ثقافية بل كارثة وعي حقيقية

في مجتمعاتنا قد تتحول خسارة مباراة كرة قدم إلى حالة حزن وغضب عام بينما يمر فوز طالب عربي بجائزة بحث علمي دولية مرور الكرام بلا احتفاء ولا تغطية ولا تقدير تصرف الملايين على الملاعب والأندية بينما تترك المعامل بلا تمويل وتقتل أحلام الباحثين بالإهمال أو البيروقراطية أو الهجرة

الدول الكبرى أدركت مبكرًا أن كرة القدم رغم جمالها وشعبيتها لا تصنع قوة دول ولا تحمي أمنًا قوميًّا ولا تبني اقتصادًا لذلك ركزت على ما هو أعمق وأبقى العلم والصناعة والتكنولوجيا والبحث والتطوير وبناء الجامعات ومراكز التفكير وصناعة براءات الاختراع أما نحن فكثيرًا ما اختصرنا معنى النجاح الوطني في مباراة مدتها تسعون دقيقة

الولايات المتحدة بنت وادي السيليكون ولم تبن منتخبًا بطلًا للعالم والصين بنت مصانع العالم ولم ترفع الكأس وروسيا طورت صناعاتها العسكرية والفضائية دون أن تعتلي منصة المونديال لكنهم جميعًا فرضوا أنفسهم على خريطة العالم لأنهم آمنوا بأن العقل أقوى من القدم وبأن المختبر أخطر من الملعب

المشكلة ليست في حب كرة القدم فهي لعبة جميلة ومتنفس إنساني مشروع المشكلة في تحويلها إلى أولوية وجودية ومعيار وحيد للنجاح الوطني وأداة لتفريغ طاقات الشعوب بعيدًا عن الأسئلة الحقيقية أين نحن من البحث العلمي أين جامعاتنا من التصنيفات العالمية أين إنتاجنا المعرفي وأين موقعنا من المستقبل

حين تزرع في وعي الأجيال فكرة أن المجد يصنعه هدف لا اكتشاف وأن الشهرة تأتي من لاعب لا عالم فنحن لا نخسر مباراة بل نخسر مستقبلًا كاملًا وحين تصبح أحلام الأطفال محصورة في الملاعب لا في المعامل فاعلم أن المعركة قد حسمت ضدنا دون رصاصة واحدة

القوى الكبرى لا تعادي كرة القدم لكنها لا تقدسها تعرف مكانها الطبيعي وتضعها في حجمها الحقيقي أما الأمم التي تخلط بين الترفيه والمصير فهي أمم تدار بالعاطفة وتترك خارج التاريخ

كأس العالم قد يرفع معنويات الشعوب قليلًا لكن العلم وحده هو الذي يرفع الأوطان ومن لم يفهم هذه الحقيقة سيظل يصفق في المدرجات بينما غيره يكتب القوانين ويصنع التكنولوجيا ويفوز بالعالَم وفي ذلك لذكرى لقوم يعقلون

د. هانى المصرى بينما كنا نحتفل بالأهداف… كانوا هم يحتفلون بنا الجارديان المصرية