الإثنين 2 فبراير 2026 11:46 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب : جبر خاطر

الكاتب الكبير الحسينى عبدالله
الكاتب الكبير الحسينى عبدالله

جبرُ الخواطر خُلُقٌ إسلاميٌّ رفيع، وثوابُه جزيلٌ عند الله تعالى. ولعلَّ حادثةَ تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة تُعدُّ من أبلغ صور جبر الخاطر؛ إذ ظلَّ المسلمون طيلة العهد المكّي، بعد فرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، يتوجَّهُون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى، مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، الذي أمر باستقباله وجعله قبلةً للصلاة.
وفي تلك الأثناء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتثل للحكم الإلهي، وفي فؤاده أمنيةٌ كبيرة طالما راودته، تتمثّل في التوجّه إلى الكعبة بدلًا من المسجد الأقصى. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى قصة تحويل القبلة، وحبَّ الرسول لذلك، في قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة البقرة، الآية 144).
وهو ما يثبت بالدليل القاطع أن الله سبحانه وتعالى قد جبر خاطر النبي محمد صلى الله عليه وسلم جبرًا يرضيه.
ولعلَّ رجاء النبي صلى الله عليه وسلم، واستجابة الله له، جاءا لعدة أسباب، منها أن بيت الله الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وهو أولى الناس به، وهو أوّل بيتٍ وُضع للناس. كذلك حرصه صلى الله عليه وسلم على أن تتميّز الأمة الإسلامية في عبادتها عن غيرها من الأمم التي حرّفت وبدّلت.
ويدلّ على ذلك قول البراء بن عازب رضي الله عنه:
«وكان يحب أن يوجَّه إلى الكعبة». رواه البخاري.
وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف أمر ربّه، بيدَ أنه استطاع الجمع بين رغبته في التوجّه إلى الكعبة، وعدم مخالفة الأمر بالتوجّه إلى المسجد الأقصى، بأن يصلّي أمام الكعبة، ولكن متّجهًا إلى الشمال، كما يدلّ على ذلك الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو بمكة نحو المسجد الأقصى، والكعبة بين يديه». رواه أحمد.
والحقيقة أن تحويل القبلة من الدلالات الواضحة على عالمية الدعوة الإسلامية وتميّز أمة الإسلام؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم متعلّق القلب بالمسجد الحرام طوال مدة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا بعد هجرته إلى المدينة المنورة.
وعن البراء رضي الله عنه قال:
إن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلّى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلّى معه، فمرَّ على أهل مسجدٍ وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت.
لقد كان ما يكنّه في صدره صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز النظر وتقليب وجهه في السماء، انتظارًا واشتياقًا لمنّة الله تعالى على هذه الأمة، بإعلانها الأمة المتميّزة الخاتمة. ذلك أن الله تعالى قد أخبر نبيّه في مكة، وقت معاندة المشركين له، بقوله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾،
وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾،
وقوله عندما اتهموه باتباع أساطير الأولين:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾،
وقوله حين اتهموه بأن يعلمه بشر:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
(سورة النحل، الآية 103).
كل هذه النصوص من القرآن الكريم، التي نزلت في مكة المكرمة، تشير إلى عالمية دعوة الإسلام ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه غير تابع، وأن دعوته ليست مقتصرة على قومه فقط، كما كان الحال مع من سبقه من الأنبياء.

الكاتب الصحفي: الحسيني عبد الله جبر خاطر الجارديان المصرية