د. نهال أحمد يوسف تكتب : خدمة مجانية للرداءة!
نعيش اليوم مرحلة مختلفة تماماً من تاريخنا المعرفي؛ فلم تعد مشكلتنا تكمن في البحث عن المعلومة كما كان الحال قديماً، وإنما أصبح التحدي الحقيقي هو التعامل مع هذا السيل الجارف من الأخبار والصور الذي يلاحقنا في كل مكان. وسط هذا التدافع المستمر، يجد الواحد منا نفسه محاصراً بما يسمى "التريند"، تلك القضايا التي تطفو فجأة لتفرض نفسها عنوة على أحاديثنا ومجالسنا، وحتى على مساحة تفكيرنا الخاصة، دون أن نسأل أنفسنا إن كانت تستحق فعلاً أن نمنحها جزءاً من وقتنا، أم أننا تحولنا دون قصد إلى مجرد أدوات تروج للتفهة والرداءة بدعوى محاربتها.
ولعلنا إذا تأملنا المشهد بهدوء، نجد أن ما يحدث ليس عشوائياً تماماً؛ إذ يمكن فهمه من خلال ما يعرف في دراسات الإعلام بـ "نظرية وضع الأجندة". هذه النظرية تخبرنا ببساطة أن الإعلام قد لا ينجح دائماً في إخبارك "ماذا يجب أن يكون رأيك"، لكنه ينجح بامتياز في تحديد "ما هي القضية" التي يجب أن تفكر فيها وتنشغل بها. قديماً، كانت الوكالات الإعلامية تمارس هذا الدور بشكل رأسي من المؤسسة إلى الجمهور، معتمدة على تكرار الخبر والصورة لترسيخ "صورة ذهنية" معينة وانطباع تلقائي يصعب محوه، مدركة أن تكرار المشهد يجعله بمرور الوقت جزءاً من الواقع المسلم به.
لكن الأمر اليوم أصبح أكثر تعقيداً ودهاءً؛ فلم تعد تلك الوكالات بحاجة لبذل الجهد القديم نفسه، فقد تولى الجمهور هذه المهمة نيابة عنها. والمفارقة المؤلمة هنا تكمن في شريحة واسعة ممن يملكون قدراً من الوعي والعلم، والذين يقعون في الفخ بدافع الغيرة على المجتمع أو الرغبة في تصحيح المسار. نجد أحدهم يعيد نشر منشور مسيء أو تافه ليكتب فوقه عبارات استهجان ونقد لاذع، غافلاً عن حقيقة أن الخوارزميات الرقمية لا تفهم لغة الغضب أو النقد، بقدر ما تفهم لغة "التفاعل" فقط. فكل مشاركة، حتى لو كانت للشتيمة، هي وقود يرفع من قيمة هذا المحتوى، ويوسع دائرة انتشاره، ويحقق لصناعه الأرباح والشهرة التي كانوا يسعون إليها.
وتزداد الخطورة حين ندرك أن العقل البشري يلتقط الصور ويعالجها بسرعة تفوق معالجة النصوص بآلاف المرات. فعندما تعيد نشر صورة أو فيديو لمحتوى ترفضه، ثم تذيله بكلمات نقدية بليغة، فإن ما يعلق في ذهن المتلقي – خاصة في التصفح السريع – هو الصورة وليس كلماتك. أنت هنا تساهم فعلياً في "تأصيل الفكر الخاطئ" وتطبيع العين على رؤية القبح؛ فكثرة المساس تقتل الإحساس، وتكرار رؤية الخطأ، حتى في سياق النقد، يجعله مألوفاً ويزيل عنه هالة الاستهجان بمرور الوقت.
لذلك، فإن الوعي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في قدرتنا على الكلام والنقد، بقدر ما يكمن في قدرتنا على التجاهل. نحن بحاجة لاستعادة "فلتر" نقدي داخلي يسبق ضغط زر المشاركة؛ فإذا كان لابد من نقد ظاهرة ما، فلنناقش الفكرة دون نشر مادتها، ودون إرفاق روابط أو صور تخدم انتشارها. إن كثيراً من القضايا التافهة تتغذى على الجدل، وتطبيق مبدأ "درءها يأتي بإهمالها" هو قمة الوعي، فتجاهل التريند يكسر سلسلة انتشاره ويحرمه من الأكسجين اللازم لحياته. ختاماً، ليس كل ما يستفزنا يستحق رد فعل، ولعل أرقى درجات الثقافة اليوم هي القدرة على الصمت الواعي، وحماية عقولنا ومتابعينا من إعادة تدوير النفايات الفكرية.












محكمة الجنايات الاقتصادية تقضى ببراءة مرتضى منصور
القبض على المتهم بطعن طالب بجامعة الأزهر، بسلاح أبيض أودت بحياته.
تأجيل محاكمة طبيب تجميل متهم بالتسبب في وفاة عروس حلوان لـ17 مايو
السجن 3 سنوات لشقيقين لاتهامهما بالشروع في قتل شاب والتعدي على والدته...
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل