الخميس 12 فبراير 2026 02:04 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خليفة ... يكتب : التخطيط الوهمي في البيئات الجائعة ومؤسسات تطلب المعجزات

الكاتب الكبير محمد خليفة
الكاتب الكبير محمد خليفة

في كثير من المؤسسات يطلب من الموظف أن يكون مخططا مبتكرا استراتيجيا وصاحب رؤية يطلب منه أن يضع خططا يومية وأسبوعية وشهرية وأن يقترح أفكارا تطويرية وأن يتحمل مسؤوليات إضافية تحت شعار تحسين الأداء وتعظيم الموارد والكفاءة.
لكن السؤال الذي نادرا ما يطرح داخل هذه المؤسسات هو كيف يمكن لموظف يعيش في بيئة جائعة أن يخطط وكيف يمكن لمن بالكاد ينجو اقتصاديا ونفسيا أن يطلب منه أن يتألق ويصنع المعجزات؟
البيئات الجائعة ليست مجرد وصف مجازي بل هي واقع مؤسسي يتشكل حين تصبح الأجور غير كافية والحوافز غائبة والاستقرار الوظيفي هشا والتقدير المعنوي شكليا في هذه البيئات يتحول الموظف إلى شخص يعمل فقط من أجل البقاء لا من أجل الإبداع أو التطوير التخطيط هنا يصبح رفاهية فكرية لا يملكها من يطارد احتياجاته الأساسية.
في المؤسسات الإعلامية تتجلى هذه المفارقة بشكل صارخ يطلب من الموظف أن يكون صاحب رؤية استراتيجية للمحتوى وأن يقترح خططا تطويرية بينما هو منشغل بسؤال بسيط وقاسٍ كيف أسدد الإيجار كيف أواجه تكاليف الحياة المتزايدة كيف أحافظ على كرامتي في ظل أجر لا يعكس حجم الجهد والخطر والمسؤولية هنا يصبح الحديث عن التخطيط طويل المدى أشبه بخطاب نظري منفصل عن الواقع.
التخطيط المؤسسي في جوهره يفترض وجود إنسان مستقر نسبيا يشعر بالأمان ويملك مساحة ذهنية للتفكير في المستقبل لكن حين تتحول المؤسسة إلى بيئة استنزاف يصبح التخطيط مجرد وثيقة شكلية تكتب لإرضاء الإدارة العليا أو الجهات الرقابية دون أن تتحول إلى ممارسة حقيقية الموظف المنهك لا يخطط بل ينفذ الحد الأدنى للبقاء.
ففي المؤسسات الخدمية تتكرر الظاهرة نفسها موظف الخدمة العامة أو العامل في المرافق أو الإدارات الخدمية يطلب منه تحسين جودة الخدمة وتقديم أفكار تطوير والمشاركة في خطط تحسين الأداء.
لكن هذا الموظف يعمل غالبا في ظل ضغط كبير وأجر محدود وموارد شحيحة وهيكل إداري بيروقراطي يقمع المبادرة بدل أن يشجعها كيف يمكن الحديث عن التخطيط والإبداع في بيئة تقتل المبادرة وتعاقب الاختلاف.
المفارقة أن كثيرا من الإدارات تركز على التخطيط كخطاب إداري دون أن توفر شروطه الإنسانية التخطيط لا يولد من فراغ بل من بيئة صحية توفر أجرا عادلا وتقديرا مهنيا واستقرارا وظيفيا ومساحة للتعلم والتطوير حين تغيب هذه العناصر يتحول التخطيط إلى شعارات تعلق على الجدران وتقارير تكتب للاستهلاك الداخلي.
البيئات الجائعة تنتج تخطيطا وهميا لأنها تركز على الشكل دون الجوهر الإدارة تطلب خططا والموظفون يكتبون خططا لكن الجميع يعلم في قرارة نفسه أن هذه الخطط لن تنفذ أو ستنفذ بشكل جزئي ومشوه إنها مسرحية إدارية لان الواقع يقول إن المؤسسة تعمل بمنطق اليوم بيومه دون رؤية حقيقية.
في الإعلام يظهر التخطيط الوهمي في شكل استراتيجيات محتوى لا تطبق وخطط تطوير رقمية تعلن في الاجتماعات ولا تجد طريقها إلى التنفيذ ومبادرات تجهض بسبب نقص الموارد أو ضعف الإدارة في المؤسسات الخدمية ايضا يظهر في خطط تحسين جودة الخدمة التي تكتب في التقارير بينما المواطن لا يشعر بأي تحسن ملموس.
المشكلة ليست في الموظف بل في الفلسفة الإدارية التي تفصل بين الإنسان والنظام الإدارة التي تريد تخطيطا حقيقيا يجب أن تبدأ بتخطيط إنساني كيف تضمن حياة كريمة لموظفيها كيف توفر لهم أجرا يكفي الحياة كيف تخلق بيئة تحترم الإنسان وتقدر جهده بدون هذا سيظل التخطيط مجرد خطاب إداري بلا روح.
إن مطالبة موظف يعيش بالعافية بأن يخطط للمستقبل تشبه مطالبة غريق بأن يرسم خريطة للمحيط الأولوية للنجاة ثم التفكير في المستقبل المؤسسات التي تطلب المعجزات من موظفيها دون أن توفر لهم شروط الحياة الكريمة هي مؤسسات تمارس نوعا من الوهم الإداري وتراكم تقارير بدل أن تبني واقعا
فالتخطيط ليس جداول وأوراقا ...
بل هو نتاج بيئة إنسانية واقتصادية مستقرة في البيئات الجائعة سيظل التخطيط وهما وستظل المؤسسات تطلب المعجزات من بشر بالكاد يقفون على أقدامهم.


#كاتب المقال: محمد خليفة ...
مستشار التطـــوير المؤسسي وإدارة المخاطر

محمد خليفة التخطيط الوهمي في البيئات الجائعة ومؤسسات تطلب المعجزات الجارديان المصرية