الجمعة 13 فبراير 2026 12:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب : من أركون إلى شحرور.. أبواق التاريخانية” تنبح والقافلة تسير”!

الكاتب الكبير عصام بيومي
الكاتب الكبير عصام بيومي

في المقال السابق ضربت أمثلة مختصرة توضّح كيف تُشنّ الحرب على الدين، في إحدى جبهاتها، عبر تشويهه بأيدي بعض أبنائه. وقدّمت نماذج لعدد ممن سميتهم، «أنبياء العصر»، أولئك الذين عمل أكثرهم عن قصد، غالبا، على تفريغ الدين من محتواه، عبر تفكيك بنيته المعنوية وإفراغ نصوصه من سلطتها المعيارية (المرجعية الحاكمة). وكشفتُ، باختصار، العوار الذي شاب أفكار عدد من هؤلاء، ومنهم أركون، والجابري، ونصر حامد أبو زيد. ومع أبي زيد نواصل استعراض هذه النماذج، التي وضعت يدها في يد الغَرور، الشيطان الرجيم، لمحو الدين، و"صناعة الكفر".
في تسعينيات القرن الماضي، جرى سجال مطوّل بين أبي زيد ومحمد شحرور ضمن ما سُمّي آنذاك مشاريع «التجديد الديني» أو «تجديد الخطاب الديني». وقد بدا المشهد لوهلة، في نظر كثيرين، سجالًا بين مدافع عن الدين (أبو زيد) ومعتدٍ عليه (شحرور). غير أن التدقيق المنهجي يكشف أن كليهما- رغم اختلاف الأدوات والمقاربات- كان يتحرّك ضمن أفق واحد، هو أفق "التاريخانية" التي تُفرغ النص (القرآن) من سلطته المرجعية المعيارية، سواء عبر تأريخانيته الكاملة (جعله تاريخا مجردا ونزع الألوهية عنه، سيرا على طريقة المدرسة الهيجيلية لفلسفة التاريخ) أو عبر إعادة هندسة فهمه وفقهه (تأويله بلا أي ضوابط). الفارق الجوهري بينهما لم يكن في الغاية، بل في الطريقة: أحدهما حاول التخريب من الخارج، والآخر من الداخل.
كان هذا السجال نموذجًا كاشفًا لخلاف داخل تلك الكذبة المؤسِّسة المسماة «التجديد الديني»، لا لأنه صراع بين تقليدي ومجدد، بل لأنه كشف عن رؤيتين مختلفتين تشتركان في العبث بقدسية النص القرآني وكيفية التعامل معه. فقد انطلق أبو زيد من التمييز بين المصدر الإلهي للقرآن وتلقيه البشري، معتبرًا أن ما بين أيدينا ليس سوى تاريخ طويل من الأفهام والتأويلات (البشرية)، بلا معنى واحد ثابت متعالٍ على الزمن. ومن ثمّ دعا إلى قراءة القرآن بوصفه نصًا تاريخيا، وتشكّل فهمه داخل سياقات لغوية وثقافية واجتماعية محددة، بما يجعل أي تفسير مقدّس موضع مساءلة دائمة.
في المقابل، رفض شحرور إخضاع النص للتاريخ، ورأى أن الإشكال لا يكمن في القرآن (حق أريد به باطل) بل في "المناهج الفقهية (أساليب الفهم) التي قيّدته" . فأيّد ثبات النص ومرونة دلالاته، ولكنه اقترح إعادة بناء المفاهيم القرآنية بلغة "معاصرة" تسمح، بحسب زعمه، بأن يظل النص صالحًا لكل زمان ومكان. هكذا دار الخلاف بينهما حول سؤال محوري: هل يقتضي التجديد تاريخانية النص نفسه، كما عند أبي زيد، أم تحرير الفهم (التأويل المنفلت) دون المساس، كذبا، بتعالي النص، كما عند شحرور؟ وقد كشف هذا الخلاف أن مشروعات «التجديد»، المزعومة رغم اختلافها الداخلي، ليست كتلة واحدة لكنها تسير في الاتجاه ذاته: اتجاه تفريغ الدين من بنيته المعيارية وإعادة تشكيله وفق مقتضيات حداثية تحارب الدين كله كما شرحت سابقا.
وقد رد على هؤلاء كثيرون منهم عبد الله العروي، وهو مفكر مغربي، رغم أنه من أنصار القطيعة مع التراث العربي والإسلامي ومن دعاة تبني الحداثة الغربية كقيمة إنسانية. فرغم وقوعه في نفس معسكر التاريخانية فقد رأى أن تاريخانية النص الديني إذا لم تُضبط بمعايير "فوق تاريخية" أي مقدسة، تنتهي بالضرورة إلى نفي أي سلطة للنص نفسه، وتحوله إلى مادة ثقافية بلا إلزام متعال (رباني).
والمفارقة أنه في ذاك السجال- وعلى مستوى المنهج لا الموقف العقدي- كان أبا زيد الطرف الأكثر انضباطًا لغويًا وتأويليًا والأقرب، نسبيًا، إلى الفهم الإسلامي الرصين. فقد رفض القطيعة الفردانية مع التراث، ودافع عن اللغة العربية بوصفها أفقًا تداوليًا مشتركًا لا نظامًا رياضيًا مغلقًا، ورفض تحويل القرآن إلى مادة تأويلية سائبة يخضع معناها لمزاج القارئ المعاصر. غير أن هذا الموقف لم يكن ثمرة اتساق نظري، بل نتيجة توتر داخلي سرعان ما انقلب على نفسه، إذ غير أبو زيد كثيرا من مواقفه وآرائه مع نهاية الألفية الثانية.
فأبو زيد، وهو ينتقد شحرور، يستدعي ضمنًا مفاهيم لا يستطيع نظريًا تبريرها داخل إطاره التاريخاني: مثل الجماعة التأويلية (سلطة القارئ في إنتاج المعنى بدلا من المؤلف)، والتراكم الدلالي، والضبط اللغوي المشترك. وهذه ليست أدوات محايدة، بل هي منطلقات عبثية تفترض وجود معنى معياري أعلى لدى القارئ، ومعايير للفهم يسمح بها السياق التاريخي والوعي الفردي. وهنا تتجلى المفارقة الحاسمة: أبو زيد يهدم بيده اليسرى ما يبنيه بيده اليمنى. فهو حين يصرّ نظريًا على أن النص منتَج ثقافي خالص، يُفرغ اعتراضه على شحرور من أساسه، لأن النص، بهذا التعريف، لا يملك سلطة مرجعية ذاتية يمكن الاحتجاج بها ضد أي تأويل، من تأويلات شحرور التي قرر أنه يرفضها.
وقد أشار جورج طرابيشي، رغم أنه من أقرب المتعاطفين مع مشروع أبي زيد، إلى هذا التناقض الأداتي في التاريخانية العربية، حيث تُستدعى معايير لغوية وتواصلية مشتركة عند التحليل، ثم يُنفى في الوقت ذاته إمكان أي معنى معياري ثابت عند التنظير. وهو تناقض لم ينجُ منه أبو زيد، وظل يلازم مشروعه من بداياته إلى نهاياته.
في الوقت ذاته، لم يسلم مشروع شحرور من نقد عميق. فقد اعتبر طه عبد الرحمن (مفكر مغربي) أن قراءة شحرور للقرآن تختزل اللغة القرآنية إلى منظومة تعريفات شبه رياضية، تُفرغها من بعدها التداولي والأخلاقي، وتحول النص من خطاب هداية إلى مادة قابلة لإعادة التركيب وفق الهوى ووفق مقتضيات العصر. كما رأى الفقيه السوري الراحل وهبة الزحيلي أن شحرور، حين فصل النص عن تراث تلقيه الفقهي جملة واحدة، لم يحرر القرآن بل عزله عن شروط فهمه التاريخية الحقيقية، مستبدلًا بها قراءة فردية لا تقل تاريخانية عن غيرها، لكنها أقل وعيًا بتاريخيتها، وأكثر إغراضا في محاولة تشويه النص.

هنا بالذات، يصبح استدعاء شيخنا أبي حامد الغزالي ضروريًا، لا بوصفه «تقليديًا» في مواجهة «حداثيين»، بل بوصفه نموذجًا لاتساق معرفي افتقده أبو زيد والآخرون بلا استثناء. فالغزالي، في «المنقذ من الضلال» و«تهافت الفلاسفة»، مارس نقدًا جذريًا لعلوم عصره، وشكّك في المذاهب السائدة، وعرّى أوهام العقل الأداتي والفلسفي، لكنه لم يسقط في الفوضى التأويلية. لقد ميّز بوضوح بين التاريخ بوصفه شرطًا للفهم، والتاريخ بوصفه سلطة على الحقيقة. شكّ في الوسائط والأدوات، لا في إمكان الوصول إلى معنى متجاوز لها. نقد العقل، دون أن يؤلّه السياق.

أما أبو زيد وقبيله، فقد حاولوا الجمع بين نقد التراث ونقد المعنى في آن واحد، فخسروا الاثنين معا. وقد كانوا وسيظلون هم ومن يسيرون على دربهم- وهم كثير للأسف- أسرى أفق مغرض يزعم الحداثة ولا يسمح بأي اتساق منطقي بين المقدمات والنتائج. ورغم ذلك الفشل الواضح للتاريخانية العربية لا يزال يخرج علينا يوما بعد يوم من يتبنونها تحت شعارات مختلفة، ولهذا أسباب سنعود إليها لاحقًا. وحتى ذلك الحين أقول: ستظل أبواق التاريخانية تنبح وقافلة الإسلام تسير.

[email protected]

عصام بيومي من أركون إلى شحرور.. أبواق التاريخانية” تنبح والقافلة تسير”! الجارديان المصرية