الخميس 19 فبراير 2026 12:31 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

إيمان عبدالعزيز تكتب:: التطبيل الثقافي... أزمة ضمير تهدد مصداقية المشهد الإبداعي

الكاتبة الكبيرة إيمان عبدالعزيز
الكاتبة الكبيرة إيمان عبدالعزيز

لم تعد أزمة الثقافة في نقص الفعاليات أو غياب المنصات، بل في غياب الصدق داخلها. فوسط الزخم الكبير من المؤتمرات والمهرجانات والندوات، تتصاعد ظاهرة «التطبيل الثقافي» باعتبارها أحد أخطر التحديات التي تواجه المشهد الإبداعي اليوم.
التطبيل الثقافي لا يعني الاحتفاء المشروع بالنجاح، بل يشير إلى حالة من الإشادة المبالغ فيها بأعمال أو شخصيات دون تقييم نقدي حقيقي. هو مدح بلا معايير، وتصفيق بلا مساءلة، وانحياز تحكمه العلاقات أكثر مما تحكمه الجودة.
غياب النقد… بداية الخلل
الحركة الثقافية السليمة تقوم على التوازن بين الإبداع والنقد. فالنقد ليس خصومة، بل أداة تصحيح وتطوير. لكن حين يتحول المشهد إلى مساحة مغلقة لا تقبل إلا الثناء، يفقد النقد دوره، وتتحول الفعاليات إلى منصات مجاملات متبادلة.
وفي هذا المناخ، يتم تضخيم أعمال عادية لتبدو استثنائية، بينما تُهمَّش تجارب جادة فقط لأنها خارج دوائر النفوذ أو لا تملك شبكة علاقات داعمة.
مجاملة أم فساد معنوي؟
يرى البعض أن ما يحدث مجرد «مجاملة زملاء»، غير أن استمرار المجاملة على حساب الحقيقة يصنع ما يمكن تسميته بالفساد المعنوي. إذ تختلط المعايير، وتضيع الحدود بين العمل القوي والعمل الضعيف، ويصبح الانتماء أهم من الكفاءة.
الأخطر أن الجمهور بات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز. ومع تكرار المبالغات الإعلامية، تتآكل الثقة في المؤسسات الثقافية، وتفقد الكلمات قيمتها، فتتحول أوصاف مثل «إنجاز تاريخي» و«عمل غير مسبوق» إلى عبارات مستهلكة.
لماذا تنتشر الظاهرة؟
ينتشر التطبيل الثقافي في البيئات التي تغيب فيها الشفافية وتختلط فيها المصالح. كما يغذّيه الخوف من الاختلاف أو خسارة الامتيازات، حيث يصبح الصمت أو التصفيق خيارًا آمنًا مقارنة بإبداء رأي نقدي صريح.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تضخيم الظاهرة، إذ يسهل صناعة هالة افتراضية حول أي حدث، بغض النظر عن قيمته الحقيقية.
استعادة المعايير
إن إنقاذ المشهد الثقافي لا يتطلب صدامًا، بل يحتاج إلى استعادة المعايير المهنية، وتشجيع النقد الموضوعي القائم على الاحترام والتحليل، بعيدًا عن الشخصنة أو الهجوم.
فالإبداع الحقيقي لا يخشى النقد، بل يتطور به. والثقافة التي لا تحتمل الرأي الآخر، تتحول إلى مساحة شكلية بلا تأثير حقيقي.
يبقى السؤال الأهم: هل نريد مشهدًا ثقافيًا حقيقيًا يعكس الواقع بصدق، أم واجهة براقة تخفي فراغًا داخليًا؟
الإجابة تبدأ من شجاعة الاعتراف بأن التصفيق وحده لا يصنع ثقافة.

ايمان عبدالعزيز التطبيل الثقافي... أزمة ضمير تهدد مصداقية المشهد الإبداعي الجارديان المصرية