السبت 21 فبراير 2026 01:25 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: ”الفساد الإداري في التعليم: كارثة تهدد أجيال مصر والعالم العربي”

الكاتبة الكبيرة سماح عزام
الكاتبة الكبيرة سماح عزام

في صمت يزداد عمقًا كل يوم، تتكشف أمامنا حقيقة مرعبة: منظومة التعليم التي يفترض أن تكون منارات العلم والمعرفة، تحوّلت إلى أرض خصبة للفساد والمجاملات والمصالح الشخصية. مديرون عامون يختارون المكاسب المالية والمناصب بدلًا من الالتزام بمسؤولياتهم التعليمية، ومعلمون يهربون من واجباتهم عبر اجازات مزورة وتقارير عمل مخفف تُباع بالمال، والطلاب يدفعون الثمن الأكبر في جودتهم ومستقبلهم. هذا المقال يكشف الحقائق المظلمة في إدارات التعليم المصرية والعربية، ويضعنا أمام الكارثة بكل أبعادها القانونية، الأخلاقية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والتربوية، مع حلول عملية قابلة للتطبيق.
الفساد القانوني: ثغرات تفتح الباب للخراب
القوانين التي تحكم الاجازات، والتقارير الطبية، والعمل المخفف صممت لحماية حقوق المعلمين والإداريين، لكنها تُطبّق بشكل انتقائي أو تُتجاهل تمامًا. كثير من المديرين يفضلون المجاملات على تطبيق العدالة القانونية، ويغضّون الطرف عن المخالفات، بينما أي موظف يحاول الالتزام بالقانون يواجه نقلًا تعسفيًا أو تهديدًا بمحاسبة شكلية. التقارير الطبية المزورة لا تُفحص بدقة، والإجازات المرضية تُستغل لتحقيق مصالح شخصية.
السناتر والدروس الخصوصية التي تُمارس تحت رعاية بعض الإدارات تظل مفتوحة دون رقابة، بينما يُمنع المعلم الشريف من تطوير أسلوبه التعليمي إلا بإذن من الإدارة. تجربة شخصية في التأمين الصحي أوضحت لي حجم هذه الظاهرة؛ فقد حاولت إنهاء أوراقي الخاصة، وعرضت عليّ امرأة من خارج المستشفى إمكانية الحصول على تقرير عاجزي كلي مقابل 10,000 جنيه لتتغيب عن العمل دون مساءلة. هذا المثال الصغير يعكس كيفية تحويل القوانين لصالح مصالح شخصية بدل حماية حقوق الموظفين.
غياب العقوبات الفعلية يجعل القانون بلا قيمة، ويترك الباب مفتوحًا أمام انتشار الفساد المنهجي، بما يشمل استغلال الوقت والموارد العامة وسرقة مستحقات الدولة والمواطنين. هذه الثغرات القانونية تجعل أي إصلاح صعبًا إذا لم يكن هناك رادع حقيقي قادر على إعادة التوازن للنظام التعليمي.
الفساد الأخلاقي: قيمة التعليم تتآكل
المدرسة التي يفترض أن تكون نموذجًا للقيم والمبادئ تحوّلت إلى حلبة مصالح شخصية ومحسوبية. كثير من المعلمين الذين يروون الغش أو التهرب من واجباتهم اليومية يجدون حماية ضمن نظام الإدارات، بينما من يلتزم بالقوانين يواجه التهميش أو العزل المهني. الطلاب يشاهدون هذا النموذج يوميًا، فيتعلمون أن الالتزام والعمل الجاد لا يجديان مقابل مصالح الآخرين أو المال.
هذا الانحراف الأخلاقي يخلق ثقافة التكيف مع الفساد، حيث يصبح النجاح مرتبطًا بالواسطة أو التجاوز على القوانين، وليس بالكفاءة والمهارة. تجربة فعلية من الإدارة التي تعاملت معها كشفت لي أن بعض المديرين كانوا يفضلون الموظفين “المرنين” مع النظام بدل الكفؤين، فقط لأنهم يقبلون التهاون والمجاملات.
الفساد الأخلاقي لا يؤثر فقط على الطلاب، بل على المعلمين أنفسهم، فيشعرون بالإحباط واليأس، ويبدأون في محاكاة سلوكيات الفساد لمجرد البقاء ضمن النظام، مما يؤدي إلى دوامة لا تنتهي من الانحدار الأخلاقي داخل المدرسة.
الفساد الاجتماعي: المجتمع يدفع الثمن
المجتمع بأكمله يتحمل آثار الفساد، فالطلاب يتلقون تعليمًا ناقصًا، بينما المعلمون الشرفاء ينهكون جهودهم دون تقدير، ويجدون أنفسهم معزولين اجتماعيًا داخل منظومة تعليمية فاسدة. هذا التفاوت في جودة التعليم بين المناطق والمدارس يوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فالأغنياء يلجأون إلى الدروس الخصوصية والسناتر، والفقراء يُتركون لنظام رسمي ضعيف.
الفساد الاجتماعي يؤدي إلى فقدان الثقة بين الأسرة والمدرسة، حيث يشعر أولياء الأمور بأن جهودهم وأموالهم تُستغل دون تحقيق نتائج تعليمية حقيقية. الأطفال الذين يشهدون هذا الفساد المبكر يتعلمون أن العدالة الاجتماعية مجرد وهم، وأن النجاح مرتبط بالمال أو النفوذ، وليس بالجد والاجتهاد.
هذا يؤدي إلى تأثير طويل الأمد على المجتمع بأكمله، حيث يترسخ مفهوم أن الخلل داخل المؤسسات التعليمية طبيعي، وأن القيم المجتمعية يمكن تجاوزها مقابل المكاسب الشخصية.
الفساد الاقتصادي: هدر الموارد وأموال الدولة
الأموال العامة المخصصة لتطوير التعليم تُهدر بسبب الاجازات المزورة، والتقارير الطبية المفبركة، والدروس الخصوصية تحت رعاية بعض الإدارات، والاستغلال الشخصي للموارد. الأموال التي يفترض أن تُستثمر في تطوير المناهج، وتحسين بيئة التعلم، وتدريب المعلمين، تضيع في دوامة مصالح شخصية وفساد مستمر.
تجربة شخصية في إدارة الأوراق داخل المستشفى أكدت حجم الهدر، حيث كان هناك أشخاص مستعدون لدفع مبالغ كبيرة مقابل الحصول على مستندات مزورة لتجنب الالتزام بالعمل، مما يعكس ثقافة تحويل الأموال مقابل تجاوز النظام القانوني والأخلاقي.
هذا الهدر المالي يعرقل إمكانية تحديث المدارس أو تجهيزها بأدوات تعليمية حديثة، ويقلل من فرص الوصول إلى معايير تعليمية دولية، كما يحد من تطوير كفاءة المعلمين والطلاب على حد سواء.
الفساد الثقافي: تقويض التعليم كقيمته الأساسية
التعليم يفترض أن يكون حاملًا للقيم الثقافية والمعرفية، لكن الفساد يحول العملية التعليمية إلى أداة لتوزيع النفوذ والمكاسب. القيم الأساسية مثل النزاهة، الاحترام، والمسؤولية تصبح مجرد شعارات لا تُترجم على أرض الواقع. الطلاب والمعلمون يشاهدون أن النظام يكافئ الخداع والتهاون، بينما من يلتزم بالقيم الثقافية الحقيقية يُهمش ويُسحب منه الدعم.
تجربة على أرض الواقع أظهرت أن بعض المدارس المتميزة تجري مراجعات شكلية للمناهج لتبدو متوافقة مع معايير الجودة، لكن في الحقيقة التحصيل الأكاديمي والمخرجات التعليمية ضعيفة، وكل شيء مُصمم لإرضاء الجهات الرقابية بدلًا من تطوير التعليم الفعلي.
الفساد التربوي: جيل ضائع ومستقبل مجهول
الطلاب هم الضحايا المباشرون، حيث يحصلون على تعليم ناقص، مهارات ضعيفة، ونقص في التوجيه الأكاديمي. ا

سماح عزام ”الفساد الإداري في التعليم: كارثة تهدد أجيال مصر والعالم العربي” الجارديان المصرية