ايهاب محمد زايد يكتب : ثمانية سلوكيات للأشخاص ذوي التركيز العالي: كيف تحمي انتباهك في عالم مشتت
في زمن تتنافس فيه تطبيقات التواصل الاجتماعي على سرقة ثانية من وقتك، وتتسابق منصات البث على خطف دقيقة من انتباهك، وتتبارى الإعلانات التجارية على اختراق لحظة من صفاء ذهنك، يصبح التركيز أغلى ما يملك الإنسان. ليس أغلى من المال فقط، بل أغلى من الوقت نفسه، لأن الوقت بدون تركيز هو وقت ضائع، والجهد بدون انتباه هو جهد هباء. في هذا المقال، نستعرض ثمانية سلوكيات يمارسها الأشخاص ذوو التركيز العالي، تلك الفئة النادرة التي تنتج أكثر، وتنام أفضل، وتعيش حياة أعمق، وتحمي أثمن ما تملك: قدرتها على الانتباه.
السلوك الأول: إنهم يحمون انتباههم كحراس الحدود
تحاول وسائل التواصل الاجتماعي ليل نهار أن تشتت انتباهك. إشعارات هنا، وتنبيهات هناك، ومقاطع فيديو قصيرة تصرخ طالبة المشاهدة، ومنشورات لا تنتهي تنتظر التفاعل. في هذا الضجيج الرقمي المتواصل، يظن الكثيرون أن قوة الإرادة وحدها تكفي لمقاومة الإغراء، لكن الأشخاص ذوي التركيز العالي يعرفون أن قوة الإرادة ناضبة، وأن الحماية الحقيقية تبدأ بالمنع لا المقاومة.
هم لا يتركون هواتفهم في متناول اليد أثناء العمل. لا يفتحون التطبيقات إلا بهدف محدد، ثم يغلقونها فور انتهاء الغرض. لا يستيقظون على أخبار العالم قبل أن يحددوا أولويات يومهم. إنهم يدركون أن كل إشعار يقطع التركيز يحتاج إلى عشر دقائق لاستعادته، وأن عشر دقائق مقطوعة هنا وهناك تعني ساعات كاملة من الإنتاجية المهدورة.
يقول أحدهم: "لا تظهر إعلانات بي إم دبليو على التلفزيون أبداً". ليس لأن شركة السيارات الفاخرة لا تريد الإعلان، بل لأنها تعرف أن جمهورها المستهدف لا يشاهد التلفزيون في أوقات الذروة، بل هو منشغل ببناء أعماله وتطوير ذاته. الأشخاص الأثرياء لا يضيِّعون وقتهم، والأشخاص ذوو التركيز العالي يدركون أن الوقت أثمن من المال.
السلوك الثاني: إنهم يمارسون ضبط النفس
ضبط النفس ليس حرماناً، بل هو تدريب. الأشخاص ذوو التركيز العالي لا يسمحون للآخرين بالسيطرة على يومهم. لا تستطيع الفتيات العابرات تشتيت انتباههم، ولا تستطيع النقاشات العقيمة استنزاف طاقتهم، ولا تستطيع الإغراءات اللحظية إبعادهم عن أهدافهم البعيدة.
هم يمارسون ضبط النفس في حياتهم اليومية. يقررون متى يأكلون، وكم ينامون، وكيف يقضون ساعات يقظتهم. ليسوا عبيداً للرغبة الآنية، بل سادة للإرادة المتأنية. يتخذون قراراتهم بناءً على العقل لا القلب، بناءً على المدى البعيد لا اللحظة العابرة.
هذا السلوك بالذات هو ما يجعلهم من ذوي الإنجازات العالية والأداء المتميز في مجالهم. ليس لأنهم أذكى من غيرهم، بل لأنهم أكثر قدرة على تأجيل المتعة، ومقاومة الإغراء، والاستمرار في المسار رغم كل ما يشدهم إلى جانبه.
يقولون إنك لست بحاجة إلى التأمل خمس مرات في اليوم لتصل إلى الصفاء الذهني، بل تحتاج فقط إلى أن تتخذ قراراتك بعقلك لا بهواك. ضبط النفس ليس تقشفاً، بل هو أعلى درجات الحرية: حرية اختيار ما هو أفضل على ما هو أسهل.
السلوك الثالث: إنهم يعرفون أولوياتهم
يقول زيغ زيغلر، خبير التنمية البشرية الشهير: "المشكلة تكمن في غياب التوجيه، وليس في ضيق الوقت. فجميعنا نملك أياماً مدتها أربع وعشرون ساعة". هذه المقولة تختصر فلسفة التركيز كلها.
الأشخاص ذوو التركيز العالي لا يشكون من ضيق الوقت، لأنهم يعرفون أن الوقت متساوٍ للجميع، لكن الأولويات مختلفة. هم لا يضعون قوائم طويلة من المهام المستحيلة، بل يحددون مهمة واحدة أو اثنتين تشكل الفارق الحقيقي في يومهم، ويصبون كل تركيزهم عليهما.
قبل أن يفتحوا هواتفهم في الصباح، قبل أن يقرؤوا رسائل البريد الإلكتروني، قبل أن يلتقطوا آخر الأخبار، يسألون أنفسهم: ما الشيء الوحيد الذي إذا أنجزته اليوم سيجعل كل شيء آخر أقل أهمية أو غير ضروري؟ هذا السؤال هو بوصلتهم في يوم قد يعصف بأي شخص آخر في دوامة العاجل قبل المهم.
السلوك الرابع: إنهم لا يضعون قائمة أهداف محددة، بل يقومون بشيء واحد في كل مرة
هذه النقطة تحديداً أثارت إعجاب المعلقين على المقال الأصلي. كتبت يوشيبد ديفيد: "إنهم لا يضعون قائمة أهداف محددة؛ بل يقومون بشيء واحد في كل مرة. هذا!!". وهذا التعليق يختصر فلسفة عميقة: تعدد المهام هو وهم خطير.
الدماغ البشري لم يصمم للقيام بأكثر من مهمة معقدة في وقت واحد. ما نسميه تعدد المهام هو في الحقيقة تنقل سريع بين المهام، وكل انتقال يكلفنا وقتاً وجهداً لاستعادة التركيز. الأشخاص ذوو التركيز العالي يعرفون هذه الحقيقة العصبية، فيكرسون أنفسهم لمهمة واحدة حتى تكتمل، ثم ينتقلون إلى التالية.
هم لا يردون على الرسائل أثناء كتابة التقارير، ولا يتصفحون وسائل التواصل أثناء قراءة الكتب، ولا يشاهدون التلفزيون أثناء التحدث مع العائلة. كل لحظة لها ما يليق بها، وكل عمل يستحق الاهتمام الكامل.
السلوك الخامس: إنهم يدركون أن الوقت أثمن من المال
يمكنك استعادة المال الذي خسرته، لكنك لا تستطيع استعادة الوقت الذي مضى. يمكنك تعويض الخسائر المالية بالعمل الإضافي، لكنك لا تستطيع شراء دقيقة واحدة من الأمس. هذه الحقيقة البسيطة يعيشها الأشخاص ذوو التركيز العالي بوعي كامل.
لذلك هم لا يضيعون وقتهم في اجتماعات غير ضرورية، ولا في نقاشات عقيمة، ولا في علاقات استنزافية. هم يستثمرون وقتهم كما يستثمر رجل الأعمال أمواله: بحذر، وبصيرة، وبحساب دقيق للعائد. كل ساعة تمضي لا تعود، وكل دقيقة تضيع لا تسترد.
هذا الإدراك العميق لقيمة الوقت هو ما يجعلهم يرفضون المشتتات بسهولة. ليس لأنهم لا يحبون المتعة، بل لأنهم يعرفون أن المتعة الحقيقية تأتي من الإنجاز، ومن النظر إلى الوراء في نهاية اليوم ورؤية ما أنجزوه بأيديهم وعقولهم.
السلوك السادس: إنهم يبنون روتيناً يحمي تركيزهم
الروتين ليس مملاً كما يظن البعض. الروتين هو السور الذي يحمي التركيز من هجمات الفوضى. الأشخاص ذوو التركيز العالي يبنون روتيناً يومياً صارماً، ليس لأنهم لا يحبون المفاجآت، بل لأنهم يعرفون أن الدماغ يعمل بكفاءة أعلى عندما يعرف ما المتوقع.
هم يستيقظون في وقت محدد، ويمارسون الرياضة في وقت محدد، ويبدؤون العمل في وقت محدد، ويأخذون فترات راحة في وقت محدد. هذا الروتين يحرر أذهانهم من الحاجة إلى اتخاذ قرارات صغيرة لا تحصى كل يوم، ويوفر طاقتهم الذهنية للقرارات الكبيرة المهمة.
كما أنهم يبنون طقوساً للانتقال بين المهام. دش صباحي يعلن بدء يوم العمل، أو نزهة قصيرة بعد الغداء تفصل بين فترتي الإنجاز، أو تأمل خمس دقائق قبل النوم يصفّي الذهن. هذه الطقوس تشير للدماغ أن وقت التركيز قد حان، أو أن وقت الراحة قد أقبل.
السلوك السابع: إنهم يمارسون الانقطاع الرقمي بوعي
في دراسة حديثة، وجد أن الشخص العادي يلمس هاتفه أكثر من 2600 مرة في اليوم، ويقضي أكثر من 4 ساعات يومياً على الشاشات. هذه الأرقام مرعبة لمن يبحث عن التركيز.
الأشخاص ذوو التركيز العالي لا يتركون هواتهم قريباً منهم أثناء العمل. كثير منهم يضعون الهاتف في غرفة أخرى، أو يستخدمون تطبيقات تحجب المواقع المشتتة، أو يخصصون أوقاتاً محددة لتفقد البريد الإلكتروني ووسائل التواصل بدلاً من تركها تقطع تركيزهم كل بضع دقائق.
هم يمارسون "الصيام الرقمي" بوعي. ساعات كاملة بلا شاشات، أيام بلا وسائل تواصل، أسابيع بلا أخبار. ليس لأنهم يكرهون التكنولوجيا، بل لأنهم يعرفون أن التكنولوجيا أداة، والأداة يجب أن تخدم صاحبها لا أن تستعبده.
السلوك الثامن: إنهم يدركون أن التركيز عضلة تحتاج تدريباً
التركيز ليس هبة يولد بها البعض دون البعض، بل هو عضلة يمكن تقويتها بالتمرين والتدريب. الأشخاص ذوو التركيز العالي يدركون هذه الحقيقة، فيمارسون تمارين تقوية الانتباه بوعي.
من هذه التمارين: القراءة الطويلة لكتاب واحد دون تشتيت، والاستماع اليقظ لمن يتحدثون دون مقاطعة، والتأمل الذي يدرب العقل على العودة للحظة الحاضرة كلما شرد، والعمل في فترات مركزة متباعدة بفواصل راحة قصيرة.
هم يعرفون أن التركيز مثل العضلة، يتعب مع الاستخدام ويحتاج إلى الراحة ليتجدد. لذلك يأخذون فترات راحة حقيقية، يبتعدون فيها عن كل المشتتات، ينامون جيداً، يأكلون صحياً، يمارسون الرياضة. كل هذا ليس ترفاً، بل هو جزء أساسي من استراتيجيتهم لحماية أثمن ما يملكون.
رسالة إلى القارئ العربي: في زمن التشتت، كن أنت الملاذ
إلى القارئ العربي في القاهرة والرياض والدار البيضاء وعمان، الذي يعيش ضغوطاً مضاعفة: ضغوط الحياة اليومية، وضغوط الأخبار المتلاحقة، وضغوط وسائل التواصل التي لا تنام:
أنت لست بحاجة إلى أن تكون خارقاً لتحمي تركيزك. أنت بحاجة فقط إلى أن تدرك أن انتباهك هو أثمن ما تملك، وأن تدافع عنه كما يدافع الجندي عن وطنه.
ابدأ بخطوة صغيرة اليوم: أغلق إشعاراً واحداً غير ضروري. حدد مهمة واحدة وأنجزها قبل أن تفتح أي تطبيق. خصص ساعة يومياً بلا شاشات، تحدث فيها مع أهلك، أو اقرأ كتاباً، أو امشِ في الطبيعة.
التركيز ليس ترفاً، بل هو شرط الإنجاز. والمشتتون كثيرون، لكن المنجزين قلة. اختر أي الصفوف تكون.
سؤال للنقاش
في زمن تتسابق فيه التطبيقات على سرقة ثوانيك، وتتنافس فيه المنصات على خطف دقائقك، كيف تحمي أنت تركيزك؟ هل لديك طقوس خاصة تعينك على مقاومة التشتت؟ شاركنا تجربتك، فربما كانت كلماتك هي ما يحتاجه قارئ آخر ليبدأ رحلته نحو حياة أكثر تركيزاً وإنتاجية.












القبض على متهم بالتعدي على مسنة أمام مسجد بالمحلة الكبرى
ارتفاع ضحايا حادث تصادم بمحور 30 يونيو في بورسعيد إلى 18 وفاة...
ضبط 433 قضية مخدرات خلال 24 ساعة
الداخلية تضبط أكثر من 101 ألف مخالفة مرورية خلال 24 ساعة
أسعار الدواجن والبيض اليوم الخميس 19 - 2 - 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة.. عيار 21 يقفز 40 جنيهًا
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...
الدولار ينخفض 5 قروش أمام الجنيه داخل البنك الأهلي المصري بالتعاملات الصباحية