الإثنين 23 فبراير 2026 08:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا: يتجدد الصراع كل عام حول من يحب الشتاء ومن يموت في ذباديب الصيف

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

تساقطت الثلوج بغزارة في النمسا هذا الأسبوع ، البعض يرى في هذا المشهد سماءً رمادية وصمتًا ثقيلاً يوحي بالكآبة. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا ، الشتاء هنا ليس فصل توقف ، بل موسم يتغير فيه إيقاع الحياة.
في الطبيعة يبدأ ما يمكن أن نسميه “ العمل الصامت ”. الأشجار التي تبدو عارية لا تموت بل هي في بيات شتوي ، تدخل مرحلة تنظيم داخلي تحفظ فيها طاقتها استعدادًا لموسم جديد ، طبقة الثلج التي تغطي الأرض ليست عبئًا عليها ، بل غطاء عازل يحمي جذور النباتات والأشجار من الصقيع الشديد ، ويحفظ للتربة قدرًا من الدفء ، وعندما تذوب الثلوج تدريجيًا ، تتحول إلى مصدر ريّ متوازن يغذي البراعم القادمة ، وما يبدو سكونًا هو في الحقيقة استعدادآ خجولا لإستقبال الربيع .
الزراعة ايضا تستفيد من هذا المناخ القاسِ البرودة فهي تحدّ من انتشار كثير من الحشرات الضارة ، وتمنح التربة فرصة لاستعادة توازنها. بعض الأشجار المثمرة تحتاج إلى فترة برد حقيقية حتى تعطي إنتاجًا أفضل في الموسم التالي .
وفي المدن لا تتوقف عجلة الحياة . يدب النشاط بقوة في المدارس ودور الحضانة والجامعات ، المصانع تعمل وفق خطط مدروسة ، والورش تواصل نشاطها ، ووسائل النقل تتحرك في مواعيدها بكل دقة رغم الظروف ، المطاعم والبارات تمتلئ برواد يبحثون عن دفء المكان وحرارة اللقاء ، هناك خلف هذا المشهد الأبيض والهدوء حركة مستمرة لا تتوقف .
أما في المناطق الجبلية ، فالشتاء هو موسم ازدهار اقتصادي واضح ، السياحة الشتوية تجذب آلاف الزوار لممارسة التزلج والرياضات الثلجية ، الفنادق تعمل بكامل طاقتها ، واماكن التزلج على الجليد تستقبل المتدربين والمحترفين من كل الأعمار ، والمتاجر تنشط ، البرد هنا ليس عائقًا، بل فرصة للعمل والبهجة .
اليوم وقفت في الحديقة أمام منزلي فوق الثلج المتراكم . الأشجار صامتة ، والأرض مغطاة بطبقة بيضاء نقية ، وأثر خطواتي واضح على النجيلة ، شعرت أن المشهد ليس حزينًا كما قد يراه البعض ، على العكس فهو يبعث على البهجة .
وفي تلك اللحظة تذكرت صوت فيروز وهي تغني
«شادي عم يلعب عالتلج…»
فالثلج ليس برودة فقط، بل ذاكرة طفولة، وبراءة، وفرصة لننظر إلى العالم بلون واحد نقي قبل أن تعود الألوان كلها في الربيع والجو يبقي بديع وقفلي على كل المواضيع .
وإيه اللي فاضل عالجنة


وصفي هنري
ڤيينا ١٥ أمشير ٦٢٦٧
الاثنين ٢٢ فبراير ٢٠٢٦

aa95fa5f6a7d.jpg
وصفى هنرى يتجدد الصراع كل عام حول من يحب الشتاء ومن يموت في ذباديب الصيف الجارديان المصرية