الثلاثاء 24 مارس 2026 01:30 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : محتوى مجهول الهوية…

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

في الفضاء الواسع الذي فتحته منصّات التواصل، صارت الكلمة ترتدي أحيانًا أقنعة، لم تعد الكلمات تسير وحدها ، بل أصبحت تخرج إلى الناس بلا ملامح واضحة ولا اسم صريح. هناك، في زحام التعليقات والآراء المتشابكة، يظهر نوع من الخطاب يمكن أن نسمّيه: محتوى مجهول الهوية؛ كلامٌ حاضر بقوة، لكن صاحبه غائب، رأيٌ يملأ المكان، لكن صاحبه يختبئ خلف ستارٍ من الظلال.
ولعلّ السؤال الذي يطرق الأذهان بإلحاح هو: لماذا يختار بعض الناس أن يتكلموا من وراء حجاب؟ ولماذا يفضّل البعض أن يكتبوا كلماتهم بلا اسم، أو تحت اسمٍ مستعار، كأنهم يخشون أن تتعرّف الحقيقة إلى أصحابها؟
إن الإنسان، منذ فجر التاريخ، كان يعرف أن للكلمة وزنًا، وأن الرأي مسؤولية، وأن ما يُقال في العلن يُحاسَب عليه صاحبه. لذلك كان الاسم في الثقافة الإنسانية علامة شرف، ودليل حضور، وشهادة على أن صاحب الفكرة يقف خلفها بوجه مكشوف وصوت واضح. غير أنّ العالم الرقمي جاء بظاهرة جديدة؛ ظاهرة تجعل بعض الكلمات تولد بلا آباء، وتمشي في الطرقات بلا نسب، وتدخل البيوت بلا استئذان.
قد يقول قائل: إن إخفاء الهوية ليس دائمًا أمرًا سلبيًا؛ فهناك من يلجأ إلى الاسم المستعار خوفًا من بطشٍ أو تضييق، أو رغبةً في التعبير بحريةٍ أكبر. وهذا صحيح في بعض الأحوال؛ فالتاريخ نفسه يعرف كتّابًا وشعراء كتبوا بأسماء مستعارة حين ضاقت بهم الظروف. لكن الفارق بين الأمس واليوم أن القناع كان يُلبس أحيانًا لحماية الفكرة، أما في زمننا هذا فكثيرًا ما يُلبس القناع ليختبئ خلفه الهجوم، أو السخرية، أو الاتهام بلا دليل.
إن جرأة الإنسان حين يكتب باسمه الحقيقي تختلف كثيرًا عن جرأته حين يكتب من وراء ستار. فحين يضع اسمه على السطر، يشعر—ولو في أعماقه—أن عليه أن يزن كلماته، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون. أما حين يختفي الاسم، فإن بعض النفوس الضعيفة ترى في ذلك فرصةً لإطلاق العبارات الجارحة، أو الأحكام المتسرعة، أو الاتهامات التي لا تستند إلى حقائق. وهكذا يتحول القناع، من وسيلة حماية، إلى أداة تهرّب من المسؤولية.
وليس خافيًا أن النفس البشرية تميل أحيانًا إلى ما يمكن تسميته الشجاعة المستعارة؛ تلك الشجاعة التي لا تظهر إلا حين يطمئن صاحبها إلى أنه لن يُعرَف. فيقول ما لا يقول، ويكتب ما لا يكتب، ويهاجم ما لا يهاجم لو كان اسمه ظاهرًا للناس. وهنا تصبح المشكلة أخلاقية قبل أن تكون تقنية؛ فالمسألة ليست في الشاشة ولا في لوحة المفاتيح، بل في الضمير الذي يختار كيف يستخدمهما.
ومن زاوية أخرى، فإن انتشار التعليقات مجهولة الهوية يكشف جانبًا من القلق الاجتماعي الذي نعيشه؛ فبعض الناس يشعر أن صوته لا يُسمع إلا إذا صرخ من وراء ستار، أو أن رأيه لن يمر بسلام إن كُتب باسمه الصريح. وهنا يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تختلط فيها الآراء الصادقة بالأقنعة الكثيرة، حتى يصعب أحيانًا التمييز بين النقد الشريف والهمس المجهول.
لكن الحقيقة التي لا تتغير، مهما تبدلت الأزمنة، هي أن الكلمة الصادقة لا تخشى الضوء. الفكرة القوية تستطيع أن تقف في وضح النهار، لأن قوتها في منطقها لا في قناعها. أما الكلمات التي تبحث دائمًا عن الظلال، فغالبًا ما تعرف في أعماقها أنها لو خرجت إلى النور لانكشف ضعفها أو تهافتها.
إن المجتمعات التي تريد حوارًا صحيًا تحتاج إلى شجاعة الكلمة، لا إلى شجاعة الأقنعة. تحتاج إلى إنسان يقول رأيه بصدق، ويقبل أن يناقَش، وربما يُخطَّأ، وربما يتراجع إذا اكتشف أنه أخطأ. فالحوار الحقيقي لا يولد في العتمة، بل يولد حين يلتقي الاسم بالكلمة، والمسؤولية بالحرية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو تذكير بسيط: إن الكلمة التي نخجل من كتابتها بأسمائنا… ربما كان الأولى ألا نكتبها أصلًا. لأن الاسم ليس مجرد حروفٍ تُكتب في أعلى الصفحة؛ بل هو عهدٌ بين الإنسان وضميره، وشهادةٌ على أن صاحب الفكرة يقف خلفها بوجهٍ واضح وقلبٍ لا يخاف الضوء.

سماح عزام محتوى مجهول الهوية الجارديان المصرية