الإثنين 11 مايو 2026 08:36 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

الشارع السياسي

طبول الحرب وأروقة السياسة: هل تنجو المنطقة من ”زلزال” إغلاق هرمز؟

الجارديان المصرية

بينما تقف منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، تتجه الأنظار اليوم صوب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث لم تعد الاجتماعات مجرد جولة دبلوماسية عادية، بل أصبحت مسرحاً لسباق محموم بين الانفراجة الكبرى والانفجار الشامل. ففي خضم متابعة المفاوضات الأميركية الإيرانية، تبرز تعقيدات الملف النووي وإغلاق مضيق هرمز كأحجار عثرة تهدد بانهيار الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها مؤخراً، مما يضع العالم أجمع أمام تساؤل مصيري: هل ينجح "الضغط الأقصى" لترمب في انتزاع اتفاق تاريخي، أم أن المنطقة ستنزلق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد؟

مضيق هرمز: الشريان الذي يختنق

لا يمكن قراءة المشهد الحالي دون التوقف عند مضيق هرمز، الذي تحول من ممر ملاحي حيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران. فمنذ اندلاع الحرب في فبراير 2023، شهد المضيق حالة غير مسبوقة من الشلل الجزئي، ورغم الهدنات المتقطعة، إلا أن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة في منتصف أبريل الجاري أعاد الأزمة إلى المربع الأول.

تتمسك إيران بمقايضة فتح المضيق برفع الحصار عن موانئها، بينما تصر إدارة ترمب على أن أي انفراجة يجب أن تشمل "تفكيك الغبار النووي" بالكامل. هذا الاستعصاء الميداني أدى إلى نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز عتبة الـ 120 دولاراً للبرميل، مما وضع دولاً كبرى مثل الصين والهند في مأزق حقيقي، نظراً لاعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.

سيناريوهات المواجهة: إلى أين تتجه البوصلة؟

بالنظر إلى المعطيات الميدانية والسياسية، تبرز ثلاثة احتمالات أساسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وكل منها يحمل تبعات ثقيلة على الاستقرار الإقليمي والدولي:

الاحتمال الأول: الاتفاق "عبر الهاتف"

قد يلجأ ترمب، في ظل رغبته في تجنب حرب استنزاف مكلفة قبل الانتخابات النصفية، إلى قبول اتفاق مرحلي يركز على "الأمن البحري" والنووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. هذا السيناريو سيعني إعادة فتح هرمز فوراً، مما سيؤدي إلى هبوط حاد وسريع في أسعار النفط العالمية واستعادة الثقة في سلاسل الإمداد.

الاحتمال الثاني: "الحوثنة" وحرب الاستنزاف

وهو الاحتمال الأخطر، حيث تشير تحليلات حرب إيران إلى إمكانية تحول النزاع إلى نمط من المواجهات المتقطعة التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة. هذا المسار قد يؤدي إلى استمرار "القوة القاهرة" في منشآت حيوية (كما حدث في منشآت الغاز المسال القطرية مؤخراً)، مما سيجعل العالم يعيش حالة دائمة من التضخم الطاقي والغذائي.

الاحتمال الثالث: الانهيار الداخلي الإيراني

تراهن واشنطن على أن الحصار الخانق سيؤدي إلى "انهيار" هيكلي في الداخل الإيراني، مما يجبر طهران على قبول الشروط الأمريكية دون قيد أو شرط. لكن هذا الاحتمال يحمل مخاطر أمنية كبيرة، إذ قد تلجأ الفصائل العسكرية الإيرانية إلى تصعيد "يائس" في المنطقة قبل الانهيار، مما قد يشعل جبهات متعددة في وقت واحد.

التأثيرات على دول الخليج والعالم

تجد دول الخليج نفسها في قلب هذه العاصفة، فهي من جهة المستفيد من ارتفاع أسعار النفط، لكنها من جهة أخرى الضحية الأولى لأي اضطراب في ممرات الملاحة أو استهداف للمنشآت.

  • الأمن الغذائي والمائي: تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة تفوق 80% على الواردات عبر المضيق، وقد تسببت الأزمة الأخيرة في "حالة طوارئ تموينية" وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية.

  • تحلية المياه: استهداف أو تعطل منشآت التحلية يمثل تهديداً وجودياً لمدن كبرى مثل دبي والدوحة والمنامة، التي تعتمد بشكل كلي على هذه التقنية لتأمين مياه الشرب.

  • الاقتصاد العالمي: بالنسبة للعالم، فإن إغلاق هرمز يعني "زلزالاً اقتصادياً" يضرب قطاعات الأسمدة والغذاء والطيران. فالنقص الحاد في وقود الطائرات في آسيا وأوقيانوسيا بدأ بالفعل يفرض زيادات كبيرة في تكاليف السفر والشحن الجوي.

التوقعات المستقبلية: ميزان القوى القلق

المستقبل القريب مرهون بمدى مرونة طهران في تقديم "مقترح أفضل" لترمب، ومدى رغبة الأخير في إنهاء الحرب بصورة "المنتصر" دون التورط في وحل بري. التوقعات تشير إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة؛ فإما أن نرى "صفقة القرن" بنسختها الإيرانية، أو أننا بصدد الدخول في عقد جديد من الاضطرابات الجيوسياسية التي ستغير وجه الشرق الأوسط للأبد.

الدول الآسيوية، كاليابان وكوريا الجنوبية، بدأت بالفعل بالبحث عن بدائل طاقة بعيدة عن المنطقة، مما قد يقلص من الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط على المدى البعيد إذا استمرت حالة عدم الاستقرار. هذا التحول، إذا اكتمل، سيكون له أثر بنيوي على موازين القوى العالمية وعلى مكانة الدول المصدرة للطاقة في النظام الدولي الجديد.

في النهاية

لقد أثبتت أزمة عام 2026 أن العالم لا يزال رهينة لممرات مائية ضيقة وحسابات سياسية معقدة. وبينما ينتظر الجميع رنين الهاتف بين واشنطن وطهران، يبقى الأمل معلقاً على حكمة الدبلوماسية لتجنيب المنطقة والعالم كارثة اقتصادية وإنسانية لا يمكن التنبؤ بمدى دمارها. إن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا بضمان حرية الملاحة والوصول إلى تسوية شاملة تنهي خطاب الحروب وتعيد لغة المصالح المتبادلة إلى الصدارة.