خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول …( هدنة … أم إعادة تشكيل الصراع نفسه ؟)
بعد قرابة الشهر و نصف من عمر الحرب بين إيران ﻭ الحلفاء أميركا ﻭ إسرائيل و معهم حزب الله و لبنان المذبوح .. دارت المفاوضات برعاية باكستان التى توصلت إلى عقد هدنة قصيرة بينهم ﻭ إيقاف الحرب لمدة أسبوعين لعلها تصل بعد ذلك إلى إيقاف دائم ..
إن فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية لم يكن مفاجئًا لأحد يفهم طبيعة اللعبة أصلًا .. فمن البداية لم يكن هناك مشروع اتفاق حقيقي ، بل إدارة متعمدة لصراع طويل يُراد له أن يبقى مفتوحًا ، مضبوط الإيقاع و مفيدًا عند الحاجة ..
و كل الحديث عن "فرص ضائعة" أو "مفاوضات فاشلة" هو تبسيط مريح لواقع أكثر قسوة و لا أحد كان يريد إغلاق الملف فعليًا بالشكل الذي يعلنه في الخطابات ..
فالمفاوضات هي أفضل الطرق المطاطية لإطالة أمد المحادثات و لعبة المد و الجزر ، هي استراحة محارب لكلا الطرفين ، و أكبر مثال على ذلك المفاوضات التي استمرت لسنوات بين الترك و الفرس ، و عليه، الولايات المتحدة لا تبحث عن تسوية نهائية تعيد ترتيب الشرق الأوسط ، بل عن حالة ضغط دائمة على إيران لمنعها من التحول إلى قوة منفلتة ، و في الوقت نفسه تمنع الانفجار الكبير الذي لا يمكن السيطرة عليه .. أي إنها تريد خصمًا مرهقًا ، لا مهزومًا و لا منتصرًا ..
و نرى إيران ، بالمقابل ، لا تدخل هذه الطاولة بحثًا عن تنازلات تقنية أو حلول وسط ، بل عن تثبيت معادلة واحدة و هى الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها .. و هذا وحده كفيل بتفجير أي وهم إسمه "إتفاق شامل" ..
و المشكلة أن كثيرًا من التحليل ما زال يتعامل مع الطاولة و كأنها مركز القرار .. بينما الحقيقة ما هي إلا مجرد مسرح عرض سياسي لا أكثر أو بمسمى أشمل هو سيرك سياسي .. أما القرار الحقيقي فيُكتب في مكان آخر تمامًا ، في قواعد الاشتباك غير المعلنة ، في التحركات العسكرية ، في إعادة توزيع النفوذ ، و في الاقتصاد الذي يُستخدم سلاحًا يوميًا ..
و ما يحدث فعليًا لا يُحسب على مفهوم التفاوض حتى ، فما هو إلا إدارة صراع بلا اسم رسمي .. لا أحد يريد حربًا شاملة لأنها مكلفة و خارجة عن السيطرة ، و لا أحد يريد سلامًا حقيقيًا لأنه يعني خسارة أوراق القوة الأساسية .. لذلك تم اختراع منطقة وسط قاتلة هى لا حرب ، و لا سلام ، فقط استنزاف مستمر ..
فنجد أميركا اغتالت علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية و معه سبعة و أربعون من قيادات الصف الأول من الدولة .. و مع كل تلك الاغتيالات ما زالت تجلس على طاولة تستطيع قصفها في ثوان بعد خروج الصف الأول من القادة ، يعني استنزافًا مع بقاء دولة ، لكن دولة ضمن مواصفات أميركية كما تريد أميركا..
و نجد واشنطن تضغط ، و تراقب ، و تستنزف .. و طهران تمتص الضغط ، و تعيد تدوير نتائجه في نفوذ إقليمي متشعب .. و النتيجة ليست تراجع أحد ، بل إعادة تشكيل شكل الصراع نفسه .. هكذا يصبح الفشل ليس نتيجة سوء تفاوض ، بل نتيجة طبيعة الصدام نفسه ..
فالعقوبات على إيران لم تعد أزمة قابلة للحل السريع ، بل تحولت إلى بيئة دائمة خدمت نظام الملالي ، إذ تم توظيفها داخليًا لتثبيت السلطة عبر خطاب "العدو الخارجي"، و اقتصاديًا نشأت منظومة موازية خارج النظام الطبيعي هو إلتفاف ، و تهريب ، و أسواق ظل موازية.. ليس اقتصاد دولة طبيعية ، لكنه أيضًا ليس اقتصاد انهيار .. إنه اقتصاد يتعايش مع الحصار و يستفيد منه أحيانًا ..
و خارجيًا ، لم تنتج العزلة عزلة فعلية ، بل أعادت توزيع النفوذ في أكثر من ساحة ، بطريقة تجعل الضغط نفسه جزءًا من أدوات القوة و ليس العكس ..
و أي عزلة هذه ؟ و الأموال والعتاد يصلان إلى العراق و لبنان و الحوثيين ، و كأن الأقمار و مراكز الحوالات تعمى عند الأموال الإيرانية !..
و هنا تكمن المفارقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها و هى كلما زاد الضغط ، لم تتوقف الحركة ، بل تغير شكلها فقط ..
و مع غياب أي اتفاق حقيقي ، و استمرار العقوبات و التوتر ، يصبح "الفشل" نفسه هو الحالة الطبيعية .. لا حرب شاملة لأن كُلفتها جنونية ، و لا سلام لأن شروطه غير موجودة ، و لا تسوية لأن أي تسوية تعني إعادة توزيع جذري للقوة ..
و بالتالي نحن لا نتحدث عن أزمة مفاوضات .. نحن نتحدث عن نظام صراع مكتمل .. فالتصعيدً يكون محسوبًا ، و رسائل نارية ، و ضربات محدودة ، و ضغطًا اقتصاديًا خانقًا ، و قنوات خلفية تعمل بلا توقف .. هذا ليس خللًا في النظام ، بل هو النظام نفسه ..
و نجد الأخطر من كل ذلك أن الطرف الذي يدفع الثمن الحقيقي ليس واشنطن و لا طهران ، بل الإقليم كله .. دول تُدار حياتها على إيقاع التوتر ، و اقتصادات تتحرك داخل هامش الخوف ، و شعوب تتحمل نتائج صراع لم تُدعَ حتى إلى طاولته ..
و في النهاية ، لا يوجد فشل تفاوضي بالمعنى التقليدي .. فهناك شيء أكثر صراحة و أقل رومانسية هو إدارة واعية لصراع لا يريد أحد إنهاءه بالشكل الذي يطلبه الطرف الآخر ..
فواشنطن لا تريد إغلاق الملف لأنها ستخسر أدوات ضغط مهمة .. و طهران لا تقبل إغلاقه لأنها ستخسر موقعها الذي بنته تحت النار .. و بين الاثنين ، تُدار المنطقة كأنها مساحة تشغيل مفتوحة لصراع دائم ..
و النتيجة النهائية بسيطة و مخيفة في آن واحد و هى ليس الهدف إنهاء الصراع ، بل التأكد أنه لا يخرج عن السيطرة .. و هكذا يتحول الفشل من خبر سياسي إلى حقيقة ثابتة و هو صراع مستمر بلا نهاية ، لأن نهايته ببساطة غير مطلوبة من أي طرف يملك القدرة على إنهائه .












حريق هائل داخل مخزن في مصر القديمة
أب يقتل نجله في المنيرة الغربية..!!
السجن 10 سنوات لـ عريس البراجيل المتهم في واقعة الطفلة رقية
دفاع المتهمين في قضية مستشفى 6 أكتوبر: جهاز “الفاكو” لا علاقة له...
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل
تعرف على أسعار الدواجن والبيض اليوم الجمعة 10 - 4 - 2026