السبت 25 أبريل 2026 06:59 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : الأحوال الشخصية والثقافة المصرية.. حين يُختبر ميزان الأسرة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي”

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

لا يمكن النظر إلى قانون الأحوال الشخصية في مصر باعتباره مجرد ملف تشريعي يُفتح بين الحين والآخر داخل أروقة البرلمان أو ساحات النقاش القانوني، ثم يُغلق على أمل التحديث أو التعديل. هذا القانون تحديدًا يتجاوز كونه نصوصًا جامدة، ليصبح انعكاسًا مباشرًا لطبيعة المجتمع، وميزانًا دقيقًا لمدى تماسكه أو اهتزازه.
فهو ليس قانونًا للأزواج فقط، ولا للطلاق فقط، ولا للنزاعات الأسرية فقط، بل هو في حقيقته قانون “البيت المصري” بكل ما يحمله هذا البيت من تعقيدات إنسانية وثقافية ممتدة عبر أجيال.
لكن الأزمة تبدأ حين يتحول هذا الملف من مساحة بحث عن العدالة إلى ساحة استقطاب اجتماعي حاد، يُدار أحيانًا بمنطق الانتصار والهزيمة، لا بمنطق التوازن وحماية الكيان الأكبر: الأسرة.
في السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا أن النقاش حول الأحوال الشخصية لم يعد نقاشًا هادئًا حول تطوير التشريعات بما يتناسب مع تغيرات الزمن، بل بات في بعض مساراته محاطًا بحالة من التوتر الثقافي، ومحاولات لإعادة تعريف أدوار اجتماعية مستقرة منذ عقود طويلة داخل المجتمع المصري.
وهنا مكمن الخطر الحقيقي: حين يُفصل القانون عن جذره الثقافي والاجتماعي، ويُعاد تشكيله بمعزل عن طبيعة المجتمع الذي سيُطبق عليه، تتحول النصوص – مهما بدت متقدمة على الورق – إلى أدوات صدام لا أدوات استقرار.
الثقافة المصرية، تاريخيًا، لم تكن ثقافة صدام داخل الأسرة، بل ثقافة “ستر” و”توازن” و”حلول وسط” تحفظ البيت من الانهيار. صحيح أن هذه الثقافة ليست مثالية دائمًا، وصحيح أنها تحتاج إلى تحديث في بعض جوانبها، لكن الأخطر هو استبدالها بالكامل بمنطق قانوني جاف لا يرى الأسرة ككيان إنساني، بل كملف نزاع.
لا أحد ينكر أن هناك خللًا في التطبيق، أو حالات ظلم تحتاج إلى معالجة، أو نصوص تحتاج إلى إعادة ضبط. لكن المشكلة لا تكمن في الاعتراف بذلك، بل في تحويل هذه الحالات إلى قاعدة عامة تُبنى عليها فلسفة قانونية كاملة، وكأن الأسرة المصرية كلها حالة نزاع دائم.
الأسرة في جوهرها ليست خصومة بين طرفين، بل كيان مشترك تتداخل فيه الحقوق بالواجبات، ويختلط فيه القانون بالعاطفة، ويُدار فيه الخلاف بالحكمة قبل المحكمة. وعندما يتم التعامل معها بمنطق الخصومة الصِرفة، فإن أول من يدفع الثمن ليس أحد الطرفين، بل الأبناء الذين يتحولون إلى ضحايا صامتين في معركة لم يختاروها.
ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن تطوير قانون الأحوال الشخصية يجب أن ينطلق من سؤال واحد جوهري: هل هذا التعديل يحافظ على الأسرة ككيان؟ أم يسرّع من تفككها تحت مسمى حماية الحقوق الفردية؟
القانون العادل ليس هو الذي يمنح طرفًا ما شعورًا بالانتصار، بل هو الذي يمنع أصلًا تحول العلاقة الأسرية إلى ساحة صراع. العدالة هنا ليست حسابات دقيقة في بنود قانونية فقط، بل توازن اجتماعي وإنساني يحفظ ما تبقى من فكرة “البيت” في مجتمع يتغير بسرعة.
المفارقة أن المجتمعات لا تنهار فقط بالقوانين السيئة، بل أحيانًا بالقوانين التي تبدو مثالية لكنها لا تراعي طبيعة المجتمع الذي تُطبق فيه. فالقانون الذي يتجاهل الثقافة، يتحول مع الوقت إلى عبء على المجتمع بدل أن يكون حاميًا له.
من هنا، فإن أي مقاربة حقيقية لملف الأحوال الشخصية في مصر يجب أن تخرج من ثنائية “انتصار طرف على طرف”، إلى فلسفة أوسع: “حماية أسرة ودولة”.
فاستقرار الأسرة ليس شأنًا خاصًا فقط، بل هو جزء من استقرار المجتمع كله. وكل خلل في هذا الملف ينعكس لاحقًا على التعليم، والسلوك الاجتماعي، وحتى على شكل الدولة نفسها في المدى البعيد.
إن المطلوب اليوم ليس الانحياز لشعارات، بل بناء قانون متزن، يقرأ الواقع المصري كما هو، لا كما يتخيله البعض. قانون لا يهدم ثقافة اجتماعية استقرت لعقود تحت شعار التحديث، ولا يترك في الوقت نفسه مظالم قائمة دون علاج.
القانون العادل في النهاية ليس نصًا يُرضي الجميع، لكنه نص يمنع انهيار الجميع.

مدحت الشيخ الأحوال الشخصية والثقافة المصرية.. حين يُختبر ميزان الأسرة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي” الجارديان المصريه