جرجس نظير يكتب: بين سندان الشك الجذري ومطرقة الحتمية العصبية
لم تعد المشكلة بيني وبين صديقي صاحب المذهب البيروني مجرد نقاش عابر في فكرة هنا أو هناك، بل أصبحت مواجهة مع نسق فكري كامل، يبدأ بالشك في كل شيء، وينتهي بسلب الإنسان نفسه من ذاته. فمرة يُطرح الشك الجذري لينفي إمكانية الوصول إلى الحقيقة، ومرة تُطرح الحتمية العصبية لتنفي وجود الإرادة أصلًا. وفي الحالتين، يبدو المشهد مختلفًا في ظاهره…
كئيبا في تفاصيله، لكنه في حقيقته هروب مزدوج من الالتزام: التزام الحقيقة، والتزام المسؤولية.
الشك الجذري يقول: لا يقين.
والحتمية العصبية تقول: لا اختيار.
فإذا اجتمعا، لم يبقَ للإنسان عقل يثق به، ولا إرادة يُحاسب عليها.
غير أن هذا البناء، رغم ما يبدو عليه من تماسك، يحمل في داخله بذور انهياره. فالذي يشك في كل شيء، إنما يفترض ضمنًا أن شكه نفسه جدير بالاعتبار، وإلا لما دعا إليه. والذي يقول إن أفكاره مجرد ناتج حتمي لجهازه العصبي، لا يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب غيره بتصديقها، لأنها—وفق منطقه—ليست “صحيحة”، بل “مفروضة عليه”.
وهنا يظهر التناقض:
كيف يمكن لفكرة أن تدّعي أنها صحيحة، وهي في الوقت نفسه تنفي عن نفسها وعن غيرها القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ؟
إن القول بالحتمية العصبية الكاملة لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يسلب الفكر معناه. فإذا كانت كل القناعات مجرد إفرازات بيولوجية، فلا يبقى هناك فرق حقيقي بين فكرة صحيحة وأخرى خاطئة، بل يصبح التفريق نفسه وهمًا ناتجًا عن نفس الجهاز الذي يُفترض أنه يُنتج كل شيء بلا تمييز.
وحين ننتقل من النظر إلى الواقع، يتكشف خلل آخر. فالإنسان في تجربته اليومية لا يعيش ككائن مُجبر بالكامل، بل ككائن يوازن، ويتردد، ويختار. شخصان قد يواجهان الدافع نفسه، والغضب نفسه، والظرف نفسه، لكن أحدهما يندفع والآخر يكبح. ولو كان الجهاز العصبي وحده كافيًا لتحديد الفعل، لتطابقت النتائج كلما تطابقت الأسباب.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين “التأثير” و”الإجبار”. نعم، الإنسان يتأثر بجسده وبيئته، لكنه لا يُختزل فيهما اختزالًا يلغي كل مساحة للاختيار. فلو أُلغيت هذه المساحة، سقطت المسؤولية، ومعها يسقط معنى العدالة ذاته. إذ كيف يُلام من لا يملك أن يفعل غير ما فعل؟ وكيف يُمدح من لم يكن له خيار في ما أحسن؟
إن أي تصور للعالم يُفضي إلى تبرير الظلم، أو إلغاء الفرق بين الجريمة والفعل العادي، هو تصور يهدم نفسه أخلاقيًا، مهما بدا متماسكًا نظريًا. لأن الإنسان—مهما أنكر—يعود في لحظة الحقيقة إلى حكم داخلي لا يستطيع الفرار منه. من يُسرق لا يتعامل مع السرقة كاحتمال فلسفي، بل كظلم واقع. ومن يُؤذى لا يناقش أذيته نظريًا، بل يرفضها فورًا.
وهكذا، كما أن الشك الجذري لا يُمارَس في الحياة رغم ادعائه، فإن الحتمية العصبية لا تُعاش في الواقع رغم الترويج لها. كلاهما ينهار عند أول احتكاك حقيقي بالحياة.
والأعمق من ذلك أن الجمع بينهما يكشف طبيعة الموقف كله. فالشك الجذري يحرر الإنسان من التزام الحقيقة، والحتمية العصبية تحرره من تبعات أفعاله. الأول يعفيه من أن يقول: “هذا حق”، والثاني يعفيه من أن يقول: “أنا مسؤول”. وفي هذا التحرر المزدوج راحة مؤقتة… لكنها راحة تقوم على إنكار ما هو بديهي في التجربة الإنسانية.
الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا يقين مطلق، ولا بلا حرية مطلقة، لكنه يستطيع—ويفعل—أن يعيش بينهما: يقين نسبي يهديه، ومساحة اختيار تحمّله المسؤولية. في هذا التوازن تقوم المعرفة، وتستقيم الأخلاق، وتستمر الحياة.
أما الهروب إلى الشك الذي لا ينتهي، أو إلى الحتمية التي لا تترك مجالًا للاختيار، فليس تعمقًا في الفلسفة، بل انسحاب منها. لأنه يرفع الأسئلة، لا ليبحث عن جواب، بل ليتجنب كل جواب. ويحلل الفعل، لا ليفهمه، بل لينفي عن صاحبه أي دور فيه.
وهكذا لا يبقى في النهاية عقل يُوثق به، ولا إنسان يُحاسب، ولا حقيقة تُطلب… بل فراغ واسع، يظنه صاحبه تحررًا، وهو في حقيقته فقدان لكل ما يجعل للحياة معنى.












إصابة ام وابنتها في حريق بالقناطر الخيرية
ضبط عامل لاتهامه بإصابة صاحب مخزن بطعنة نافذة في أوسيم
1 يونيه.. نظر طعن المتهم بالتعدي على الطفل ياسين فى البحيرة
مصرع سيدتين إثر انهيار غرفة بمنزل طيني في أخميم
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل