الإثنين 4 مايو 2026 12:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : ما الذي تغيّر فعلا؟ قراءة هادئة في مشهد صاخب

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

في عالم يبدو كأنه لا يهدأ حيث تتلاحق الأخبار وتتصادم الروايات ويعلو الضجيج حتى يكاد يخفي المعنى يبرز سؤال بسيط في صياغته عميق في دلالته: ما الذي تغير فعلا؟
هل نحن أمام تحولات حقيقية في جوهر الواقع أم أننا فقط نعيش في زمن تضاعف فيه الصوت حتى غطى على الصورة؟الانطباع الأول يقول إن كل شيء تغير. السياسة لم تعد كما كانت الاقتصاد يمر بموجات متلاحقة العلاقات الاجتماعية تعيد تشكيل نفسها وحتى طريقة تفكير الناس لم تعد ثابتة. لكن حين نقترب أكثر ونُبطئ إيقاع القراءة قليلا نكتشف أن الصورة أكثر تركيبا. فليس كل ما يبدو تغييرًا هو تغيير في الجوهر وليس كل ما يظل ثابتا هو حقا كما كان.
في السياسة مثلا تتغير الأدوات أكثر مما تتغير الأهداف. الخطاب يتبدل التحالفات تتحرك لكن المصالح تظل هي المحرك الأعمق. الجديد ليس في وجود الصراع بل في سرعته وفي تعدد مستوياته وفي الطريقة التي يُدار بها. لم تعد المواجهة دائما مباشرة بل أصبحت أكثر مرونة وأكثر اعتمادا على أدوات غير تقليدية. ما نراه اليوم ليس خروجا عن قواعد السياسة بل إعادة صياغة لها بلغة العصر.
وفي الاقتصاد يبدو التغيير أكثر وضوحا لكنه أيضا أكثر تعقيدا. الأرقام تتحرك المؤشرات تتبدل والضغوط تتوزع بشكل غير متساوي لكن ما تغير فعلا هو شعور الناس تجاه هذه الأرقام. لم يعد المواطن ينظر إلى الاقتصاد كمعادلة بعيدة بل كحقيقة يومية تمس تفاصيل حياته. لم يعد السؤال فقط عن النمو بل عن أثر هذا النمو وعن العدالة في توزيعه وعن القدرة على التكيف معه.. أما في المجتمع فالتغيير يحمل وجهين. هناك تحولات حقيقية في أنماط الحياة في العلاقات في الأولويات. لكن في الوقت نفسه هناك ثوابت لا تزال تقاوم. القيم الأساسية لم تختفي لكنها تتعرض لاختبارات متكررة. الأسرة كمفهوم لا تزال حاضرة لكن شكلها يتأثر بضغوط الواقع. التضامن الاجتماعي لا يزال موجودا لكنه لم يعد يُمارس بنفس الصورة التقليدية.
والإنسان في قلب كل ذلك يعيش حالة مزدوجة. من جهة، أصبح أكثر انفتاحا على العالم، وأكثر اطلاعا وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة. ومن جهة أخرى أصبح أكثر عرضة للتشويش وأكثر تأثرا بالضغوط وأكثر حيرة في اتخاذ القرار. لم يعد التحدي في معرفة ما يحدث بل في فهمه وفي التمييز بين ما هو مهم وما هو عابر.هنا يمكن القول إن أكبر ما تغير ليس الواقع وحده بل طريقة إدراكنا له. نحن نعيش في زمن تتضاعف فيه المعلومات لكن لا يتضاعف فيه الفهم بالضرورة. زمن يُكافئ السرعة لكنه لا يمنح دائما مساحة كافية للتفكير. زمن يجعل من كل حدث قضية ومن كل رأي موقفا ومن كل اختلاف صراعا.. هذا التحول في الإدراك هو ما يجعل المشهد يبدو أكثر صخبا مما هو عليه. ليس لأن الأحداث أكثر عنفًا بالضرورة بل لأن طريقة عرضها وتداولها تضخمها. الصوت أعلى الإيقاع أسرع والانتباه مشتت. وفي هذا المناخ يصبح من الصعب التمييز بين التغيير الحقيقي والتغيير المصنوع.. لكن وسط هذا الضجيج تظل هناك حاجة إلى قراءة هادئة. قراءة لا تنكر التحولات لكنها لا تُسلم لها بالكامل. قراءة تُدرك أن العالم يتغير نعم لكنه لا يبدأ من الصفر كل مرة. وأن المجتمعات رغم كل ما تمر به تملك قدرا من الاستمرارية ومن القدرة على التكيف.. الهدوء هنا ليس انسحابا من الواقع بل وسيلة لفهمه. لأن الانغماس الكامل في الصخب قد يُفقدنا القدرة على الرؤية. والابتعاد قليلا قد يمنحنا زاوية أوسع. ليس المطلوب أن نتجاهل ما يحدث بل أن نعيد ترتيب علاقتنا به. أن نُفرّق بين ما يستحق القلق وما يُمكن تجاوزه. بين ما هو مؤقت وما هو ممتد.. وفي هذا السياق تصبح المسؤولية مشتركة. الإعلام مثلا ليس فقط ناقلا للأحداث بل شريك في تشكيل إدراكها. يمكنه أن يُهدئ كما يمكنه أن يصعد. النخب الفكرية مدعوة لتقديم قراءة عميقة، لا مجرد تكرار للسطحيات. والمؤسسات بدورها مطالبة بأن تكون أكثر وضوحا لأن الغموض يُغذي القلق.
أما الأفراد فلهم دور لا يقل أهمية. في طريقة استهلاكهم للمعلومة في قدرتهم على التحقق في استعدادهم للاستماع إلى أكثر من وجهة نظر. لأن الوعي في النهاية ليس ما نعرفه فقط بل كيف نفكر فيما نعرفه.. قد يكون من المغري أن نقول إن كل شيء تغيروأن العالم لم يعد كما كان. لكن الحقيقة ربما أكثر توازنا. هناك أشياء تغيّرت بالفعل وهناك أشياء لا تزال كما هي وهناك أشياء تتغير ببطء دون أن ننتبه.
والسؤال الحقيقي ربما ليس فقط: ما الذي تغير؟
بل: كيف نقرأ هذا التغيير؟
وكيف نُحافظ وسطه على قدرتنا على الفهم وعلى التمييز وعلى اتخاذ موقف لا تحكمه اللحظة فقط بل يستند إلى رؤية أعمق؟ في النهاية قد لا نملك إيقاف الصخب لكننا نملك أن نُحسن الاستماع.. وقد لا نستطيع منع التغيير لكننا نستطيع أن نُحسن قراءته.. وبين هذا وذاك تتحدد قدرتنا على أن نكون جزءا واعيا من هذا العالم… لا مجرد صدى له.

شحاته زكريا ما الذي تغيّر فعلا؟ قراءة هادئة في مشهد صاخب الجارديان المصريه