السبت 9 مايو 2026 05:20 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جيهان عزمى تكتب : *عفواً عذرك غير مقبول *

الكاتبة جيهان عزمى
الكاتبة جيهان عزمى

في مساءٍ هادئ ، جلس سامى يُحدق في هاتفه، يقرأ رسالةً قصيرة كُتبت بعناية:
“آسف… لم أستطع، كانت الظروف أقوى مني.”
ابتسم بسخرية، ليس لأنه لم يسمع هذا العذر من قبل، بل لأنه سمعه كثيراً حتى فقد معناه.
تذكر الوعود التي تأخرت، والإعتذارات التي تكررت، والفرص التي ضاعت تحت لافتة “الظروف”. كان كل شيء يُبرر، وكل تقصير يجد له عذراً أنيقاً وكأن الكلمات أصبحت درعاً يخفي وراءه الإهمال، لا ندماً حقيقياً..
أغلق هاتفه بهدوء، وقال في نفسه:
“ليست كل الأعذار تُقبل… وبعضها، مهما بدا مقنعاً، لا يستحق سوى ردٍ واحد: عفواً… عذرك غير مقبول.”
حقا في حياتنا اليومية، نسمع الأعذار أكثر مما نسمع الإعترافات الصادقة. أصبح العذر وسيلة سهلة للهروب من المسؤولية، ودرعاً يحتمي به البعض لتبرير التقصير أو الخطأ، لكن الحقيقة التي قد لا يرغب كثيرون في مواجهتها هي أن ليس كل عذر مقبول، بل إن بعض الأعذار تكشف ضعفاً في الإرادة أكثر مما تبرر الفعل...
ليس الخطأ هو المشكلة الحقيقية، فكل إنسان يخطئ، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخطأ إلى عادة، ويُغطّى بسلسلة من الأعذار المتكررة. “لم يكن لدي وقت”، “الظروف كانت صعبة”، “لم أقصد”… عبارات تتكرر حتى فقدت معناها، وأصبح مجرد محاولة لتجميل التقصير بدل إصلاحه.
العذر المقبول هو ذاك الذي يصاحبه صدق وندم، ويتبعه سعي حقيقي للتغيير. أما العذر الذي يُقال فقط لتسكين الموقف، دون نية صادقة للتغيير، فهو في الحقيقة إهانة للآخرين قبل أن يكون خداعاً للنفس. فالكلمات وحدها لا تكفي، والأفعال هي المقياس الحقيقي.
في العلاقات الإنسانية، كثرة الأعذار تضعف الثقة. فعندما يعتاد الإنسان على التبرير بدل التحمل، يفقد مصداقيته تدريجياً، حتى يصل إلى مرحلة لا يُصدّق فيها، مهما كان صادقاً هذه المرة. فالثقة تُبنى بالأفعال، لكنها تُهدم بكثرة التبريرات.
إن تحمل المسؤولية شجاعة، والاعتراف بالخطأ قوة، أما التهرب خلف الأعذار فهو ضعف مغلف بالكلمات. لذلك، حين نقول لشخص: “عفوًا… عذرك غير مقبول”، فنحن لا نرفضه، بل نطالبه أن يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر احتراماً لمن حوله.
في النهاية، قد يكون العذر مريحاً للحظة، لكنه لا يصلح خطأً، ولا يعيد ثقةً ضاعت.. وحده الصدق مع النفس ومع الآخرين ، هو ما يصنع الفارق الحقيقي.

جيهان عزمى عفواً عذرك غير مقبول الجارديان المصريه