السبت 9 مايو 2026 10:16 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب : مصر فى قلب العاصفة لماذا أصبح التماسك الوطنى معركة بقاء ؟

الكاتب الكبير ضاحى عمار
الكاتب الكبير ضاحى عمار

لم يعد العالم كما كان قبل أعوام قليلة. خرائط النفوذ تتحرك بسرعة غير مسبوقة، والتحالفات تتبدل، والدول التى كانت تبدو مستقرة سقط بعضها فى دوامات الفوضى والانقسام، بينما تحولت أوطان أخرى إلى ساحات مفتوحة للصراع والتدخلات الخارجية. وفى خضم هذا المشهد المشتعل، لم يكن غريبًا أن تدرك الدولة المصرية مبكرًا أن السنوات المقبلة لن تكون سهلة، وأن البقاء فى منطقة تموج بالأزمات يحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات صلبة، وشعب يمتلك وعيًا يحمى وطنه من السقوط.
ما جرى فى الإقليم خلال العقد الأخير لم يكن مجرد أحداث متفرقة، بل سلسلة متصلة من التحولات العنيفة التى أعادت تشكيل موازين القوة فى الشرق الأوسط. دول انهارت جيوشها فى أيام قليلة، وعواصم عربية تحولت إلى ساحات اقتتال، وملايين المواطنين دفعوا ثمن الفوضى تهجيرًا وتشردًا وفقدانًا للأمن والاستقرار. المشهد كان كافيًا ليدرك الجميع أن العالم دخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للدول الضعيفة أو المجتمعات المفككة.
وسط هذه التحديات، اختارت مصر طريقًا مختلفًا يقوم على بناء القوة الشاملة، ليس من باب التفاخر، وإنما باعتباره ضرورة وجود. ولهذا اتجهت الدولة إلى تنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لطرف واحد، بالتوازى مع توسيع قاعدة التصنيع المحلى ونقل التكنولوجيا، حتى تمتلك الدولة أدواتها وقدرتها على حماية قرارها الوطنى فى زمن تتشابك فيه المصالح والصراعات الدولية بصورة معقدة.
السنوات الأخيرة أثبتت أن امتلاك القوة لم يعد رفاهية سياسية، بل أصبح شرطًا أساسيًا لحماية الأوطان. فالدولة التى لا تملك جيشًا قويًا واقتصادًا قادرًا ومؤسسات متماسكة تصبح أكثر عرضة للابتزاز والضغط والتفكك. وما تشهده المنطقة اليوم من صراعات ممتدة يؤكد أن معارك النفوذ لم تعد تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما تشمل السيطرة على الممرات البحرية، ومصادر الطاقة، وخطوط التجارة، وقدرة الدول على تأمين احتياجات شعوبها وقت الأزمات.
ومن هنا جاءت أهمية المشروع المصرى لبناء دولة قادرة على الصمود فى مواجهة المتغيرات. فالتصنيع المحلى لم يعد مجرد ملف اقتصادى، بل تحول إلى قضية أمن قومى ترتبط باستقلال القرار الوطنى. وكلما توسعت الدولة فى دعم الصناعة الوطنية وتوطين التكنولوجيا، ازدادت قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية وتقليل الاعتماد على الآخرين، خصوصًا فى القطاعات الحيوية والاستراتيجية.
غير أن أخطر ما تواجهه الدول فى هذه المرحلة ليس السلاح وحده، وإنما محاولات إنهاك المجتمعات من الداخل عبر نشر الشائعات، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وإشعال الانقسامات، ودفع الشعوب نحو الإحباط واليأس. فالحروب الحديثة لم تعد تبدأ بالدبابات، بل تبدأ أحيانًا بكلمة مضللة، أو حملة منظمة تستهدف وعى الناس واستقرارهم النفسى والاجتماعى.
لقد مرت مصر بتجربة قاسية عقب أحداث عام 2011، حين تعرضت مؤسسات الدولة لاختبارات صعبة هددت كيان الوطن ذاته. وفى تلك اللحظة، تحملت القوات المسلحة مسؤولية تاريخية فى حماية الدولة ومنع انهيارها، فساندت مؤسساتها، وشاركت فى تأمين الشارع، وحافظت على تماسك البلاد فى واحدة من أخطر الفترات التى مرت بها مصر الحديثة. تلك التجربة كشفت بوضوح أن قوة الجيوش لا تقاس فقط بقدرتها القتالية، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الدولة وقت الأزمات الكبرى.
اليوم، ومع استمرار الاضطرابات الإقليمية والدولية، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الاصطفاف الوطنى، لأن الأوطان لا تُحمى بالخلافات ولا بالصراعات الداخلية، وإنما بوحدة الصف والإيمان بقيمة الدولة ومؤسساتها. فالتحديات التى تواجه المنطقة أكبر من الحسابات الضيقة، وتتطلب وعياً يدرك أن الحفاظ على الاستقرار ليس ضعفًا، بل ضرورة لحماية مستقبل الأجيال القادمة.
إن مصر، بما تملكه من تاريخ وثقل حضارى وموقع استراتيجى، ستظل هدفًا لكل من يسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ فى المنطقة، لكن قوة الدولة المصرية كانت دائمًا فى تماسك شعبها وقدرته على تجاوز المحن. وكلما ازداد الوعى الوطنى رسوخًا، ازدادت قدرة الوطن على مواجهة الضغوط وحماية مقدراته.
وفى زمن تتغير فيه الموازين بسرعة، يبقى الرهان الحقيقى على شعب يعرف قيمة بلده، ويدرك أن بناء الأوطان يحتاج إلى صبر وعمل وتكاتف، وأن الحفاظ على الدولة هو الضمانة الوحيدة لعبور المستقبل بأمان. حفظ الله مصر قوية مستقرة، وجعل وحدتها دائمًا الحصن الذى تتحطم عليه كل محاولات العبث والفوضى.

ضاحى عمار مصر فى قلب العاصفة لماذا أصبح التماسك الوطنى معركة بقاء الجارديان المصريه