الأحد 10 مايو 2026 01:02 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. ماجده عبدالحي تكتب : حين يفقد الإنسان دفء العلاقات

د.ماجدة عبدالحي
د.ماجدة عبدالحي

“أقسى ما يمر به الإنسان ليس قلة الناس حوله، بل أن يشعر أنه وحيد رغم ازدحام الجميع من حوله.”

ليس دائمًا من يملك قلبًا طيبًا يعيش حياة هادئة، ولا كل مجتهد يصل سريعًا إلى ما يستحقه.
كثيرًا ما نرى أشخاصًا يحملون النقاء في قلوبهم، ثم يكون نصيبهم الخذلان أو التأخير أو الألم، أحيانًا على يد أقرب الناس إليهم.

ومع الوقت يدرك الإنسان حقيقة مؤلمة، وهي أن الحياة لا تُدار دائمًا بمنطق العدل الكامل الذي نتمناه.
فهناك من يمنح الحب بصدق ثم يُقابل بالجفاء، ومن يساند الجميع ثم يجد نفسه وحيدًا وقت ضعفه، ومن يظل وفيًا بينما يتعامل الآخرون مع العلاقات بمنطق المصلحة أو الاعتياد.

لقد تغيّر شكل العلاقات كثيرًا؛ فأصبح التواصل أسرع، لكن المشاعر أضعف، وأصبح السؤال عن الناس عادة عابرة أكثر منه اهتمامًا حقيقيًا.
وبات كثير من البشر يعيشون ضغوطهم النفسية في صمت، بينما ينشغل الجميع بإيقاع الحياة السريع، وكأن الاحتواء الإنساني أصبح رفاهية نادرة.

فالفقير إذا اتصل للاطمئنان، يُساء الظن به وكأنه يطلب المال، وإذا زار أحدًا شعر البعض بالضيق وكأن وجوده عبء ثقيل.
والمريض الذي يشتاق فقط إلى جلسة دافئة أو كلمة طيبة، قد يُترك وحده لأن البعض افترض مسبقًا أنه يريد مساعدة أو دعمًا ماديًا.

والمؤلم أن كثيرًا من هؤلاء لا يريدون شيئًا من الدنيا سوى الشعور بأنهم ما زالوا مهمين في حياة الآخرين، وأن هناك من يتذكرهم بمحبة صادقة لا بمصلحة مؤقتة.

لقد أصبح العالم أكثر قسوة، حتى بدا وكأنه يسير بقانون البقاء للأقوى، لا للأرحم.
لكن النضج النفسي الحقيقي لا يعني أن يتحول الإنسان إلى نسخة قاسية من هذا الواقع، بل أن يحافظ على إنسانيته رغم كل ما يراه من جفاء وتغيّر في النفوس.

فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على استغلال الآخرين أو تجاوزهم، بل في أن يبقى الإنسان نقيًا دون أن يفقد وعيه، رحيمًا دون أن يسمح لأحد بإهانة قلبه، ومتزنًا دون أن يحمل داخله كراهية للعالم.

وفي النهاية، ربما لا تكون كل الخيبات شرًا خالصًا، فبعضها يمنح الإنسان بصيرة أعمق، ويجعله أكثر فهمًا لمن يستحق قربه، وأكثر إدراكًا أن الرحمة أصبحت من أندر الصفات في هذا الزمن.

د. ماجدة عبدالحى حين يفقد الإنسان دفء العلاقات الجارديان المصريه