الأحد 10 مايو 2026 07:13 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: الشرق الأوسط يعيد رسم خرائط القوة مصر تفرض معادلة الردع والسيادة

, الكاتب الكبير ضاحي عمار
, الكاتب الكبير ضاحي عمار

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتبدل فيها خرائط النفوذ وتتساقط فيها رهانات الهيمنة التقليدية، يبرز التحرك المصري في الخليج باعتباره أحد أكثر التحولات السياسية والعسكرية إثارة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. لم يعد الحديث يدور حول وجود عسكري عابر أو ترتيبات دفاعية مؤقتة، بل حول ميلاد معادلة جديدة تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، وتفتح الباب أمام مرحلة تتقدم فيها القوى العربية لملء الفراغ الذي خلفته اهتزازات الدور الأمريكي وتراجع الثقة في منظومة الحماية الغربية.
المشهد لم يعد قابلاً للقراءة بالمنطق القديم. فبينما تتصاعد التوترات في الخليج والبحر الأحمر، وتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من إعادة التموضع السياسي والعسكري، تتقدم القاهرة بخطوات محسوبة، مدعومة بثقلها التاريخي وقدرتها على إدارة التوازنات المعقدة دون الانزلاق إلى حافة الصدام الشامل. اللافت أن هذا التحرك المصري لم يواجه بالرفض من القوى الإقليمية الكبرى، بل حظي بقدر لافت من التفهم والترحيب، حتى من طهران نفسها، في تطور يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية التقليدية.
المصادر الإيرانية التي تحدثت لوسائل إعلام دولية وإقليمية قدمت رؤية مختلفة تماماً عن الصورة التي حاول البعض الترويج لها. فالقاهرة، من وجهة النظر الإيرانية، لا تتحرك باعتبارها طرفاً يسعى إلى التصعيد، بل باعتبارها قوة استقرار قادرة على منع انزلاق المنطقة نحو الفوضى. هذا الإدراك يعكس تحولاً مهماً في طبيعة النظرة إلى الدور المصري، ويؤكد أن القاهرة أصبحت رقماً صعباً في معادلة الأمن الإقليمي، وقوة تحظى بثقة متزايدة لدى مختلف الأطراف.
الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن فقط في طبيعة التحرك المصري، وإنما في الرسائل السياسية الكامنة خلفه. فحين تتحدث طهران عن تفضيل وجود عربي إقليمي على الوجود الأجنبي، فإنها توجه ضربة مباشرة لفكرة الأمن المستورد التي سيطرت على المنطقة لعقود طويلة. الرسالة هنا واضحة؛ أمن الخليج لا يجب أن يبقى رهينة للقواعد الأجنبية والأساطيل العابرة، وإنما ينبغي أن يستند إلى تفاهمات إقليمية تملك القدرة على حماية المصالح المشتركة ومنع الانفجار.
هذا التحول يتقاطع مع مواقف خليجية متزايدة تميل إلى إعادة النظر في شكل العلاقة مع واشنطن. فالعواصم الخليجية باتت أكثر اقتناعاً بأن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يعد ضمانة كافية للاستقرار، خصوصاً في ظل التغيرات المتسارعة في السياسة الدولية، وصعود قوى جديدة تنافس الولايات المتحدة على النفوذ العالمي. ومن هنا تبرز أهمية التقارب العربي ـ العربي، والدفع نحو بناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً وقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط الخارجية.
القاهرة تدرك بدقة حساسية اللحظة التاريخية، ولذلك تتحرك بمنطق الدولة التي تعرف حجمها الحقيقي وحدود مسؤوليتها. فمصر لا تبحث عن مغامرات عسكرية، ولا تسعى إلى استعراض القوة بقدر ما تعمل على تثبيت معادلة الردع ومنع انهيار التوازنات. ولهذا جاء الحضور المصري في الخليج محكوماً باعتبارات الأمن الجماعي والتنسيق المشترك، وليس بمنطق الاستقطاب أو صناعة المحاور.
وفي خلفية هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة أمام تحدٍ غير مسبوق. فالتغيرات الجارية تعكس تراجعاً تدريجياً في قدرة واشنطن على احتكار إدارة ملفات المنطقة، خصوصاً مع تصاعد الشكوك حول جدوى التدخلات العسكرية التقليدية، واتساع حالة الإرهاق السياسي داخل المؤسسات الأمريكية نفسها. كما أن صعود أدوار إقليمية أكثر استقلالية يفرض واقعاً جديداً لم تعد فيه العواصم العربية مستعدة للقبول بدور المتلقي فقط.
التحرك المصري يحمل أيضاً بعداً رمزياً بالغ التأثير. فالقاهرة التي لطالما مثلت مركز الثقل العربي تعود اليوم لتؤكد أنها لا تزال قادرة على حماية مصالحها ومصالح محيطها الإقليمي، وأن المؤسسة العسكرية المصرية ما زالت تمثل أحد أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط. ولهذا لم يكن غريباً أن يُنظر إلى الوجود المصري باعتباره عنصر تهدئة وردع في آن واحد، ورسالة بأن المنطقة تمتلك من القدرات ما يؤهلها لحماية نفسها بعيداً عن الوصاية الأجنبية.
ومع اتساع دائرة التفاهمات الإقليمية، يطرح كثيرون سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت المنطقة تقترب بالفعل من تأسيس صيغة جديدة للأمن العربي المشترك. الإجابة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تماماً عن كل ما سبق. مرحلة تتراجع فيها الهيمنة المطلقة، وتصعد فيها حسابات المصالح الوطنية، وتفرض فيها الدول الكبرى في المنطقة إرادتها وفق منطق التوازن لا التبعية.
في قلب هذه اللحظة تقف مصر بثقلها التاريخي والجغرافي والعسكري، لا باعتبارها مراقباً لما يحدث، بل باعتبارها لاعباً رئيسياً يعيد رسم قواعد المشهد. وبينما تتغير خرائط النفوذ وتتبدل التحالفات، يبدو أن القاهرة اختارت أن تكتب فصلها الجديد بلغة القوة الهادئة، والسيادة التي لا تقبل المساومة، والحضور الذي يفرض نفسه على الجميع دون ضجيج.

ضاحى عمار الشرق الأوسط يعيد رسم خرائط القوة مصر تفرض معادلة الردع والسيادة الجارديان المصريه