الجمعة 22 مايو 2026 11:57 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : زمهلكاوي متعصب

الكاتب والفنان الكبير د . محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د . محمد هناء الدين

لا استطيع كبح جماح شعوري بالدهشة كيف يتحول الإنسان العادي، الذي ربما لم يركل كرة في حياته، إلى كائن مشحون بالعاطفة، مستعد للصراخ والبكاء والغضب، بل وأحيانًا الكراهية، من أجل مجموعة من الغرباء يركضون خلف كرة؟
كيف يصل الحال بالبعض إلى حد التعصب الأعمى، الذي يمزق أواصر الصداقة بل والأخوة أحيانًا؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في المستطيل الأخضر، بل في أعماق النفس البشرية والنسيج الاجتماعي من حولنا. هذه الظاهرة، التي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، هي في الواقع نافذة ساحرة ومقلقة في آنٍ واحد على حاجتنا العميقة للانتماء، وعلى الطريقة التي نبني بها هوياتنا في هذا العالم.
الرحلة تبدأ من الدماغ نفسه. فالتعصب ليس مجرد سلوك مكتسب، بل له أساس بيولوجي وعصبي. في دراسة نُشرت عام٣٠٢٥ استخدم باحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لفحص أدمغة ٦٠ من مشجعي كرة القدم وهم يشاهدون لقطات من المباريات. النتائج كانت مذهلة
عندما يسجل فريق المشجع المفضل هدفًا، خاصة في مرمى الخصم اللدود، تضيء أجزاء من الدماغ مسؤولة عن المكافأة والمتعة، وتحديدًا الجسم المخطط البطني وهي نفس المناطق التي تتفاعل عند تناول الطعام أو تلقي المال.
هذه ليست مجرد متعة عابرة، إنها دفقة عصبية عميقة تعزز الشعور بالانتصار الشخصي.
أما الجانب الآخر المظلم والمثير للدهشة، فهو ما يحدث عند الخسارة. وجدت الدراسة أن منطقة القشرة الحزامية الأمامية المسؤولة عن التحكم المعرفي واتخاذ القرارات العقلانية، تُظهر كبتًا متناقضًالنشاطها. هذا يعني ببساطة أن الدماغ في لحظة الغضب والخسارة، يُعطّل الجزء المسؤول عن التفكير المنطقي والتحكم في الانفعالات هذا يفسر لماذا يمكن لأشخاص عقلانيين ومتزنين في حياتهم اليومية أن يتحولوا فجأة في الملعب أو أمام الشاشة إلى كائنات مندفعة وعنيفة، مستعدة لشتم الحكم أو اللاعبين أو الجمهور المنافس.
إذا كان علم الأعصاب يشرح لنا كيف يحدث التعصب داخل الدماغ، فإن علم النفس الاجتماعي يشرح لنا "لماذا". هنا، تبرز نظرية الهوية الاجتماعية التي وضعها العالمان هنري تاجفيل وجون تيرنر كأحد أقوى التفسيرات. النظرية تقول باختصار إن جزءًا كبيرًا من مفهومنا عن ذواتنا وتقديرنا لها، لا يأتي من إنجازاتنا الشخصية فحسب، بل من المجموعات التي ننتمي إليها. عندما تصبح مشجعًا لنادٍ، فأنت لا تتابع مبارياته فحسب، بل تتبنى هويته. يصبح الفريق جزءًا منك، وتصبح أنت جزءًا منه.

هذا الانتماء يخلق حالة نفسية قوية تعرف بـ "التحيز للمجموعة الداخلية"
حيث ترى مجموعتك (فريقك) بشكل إيجابي مبالغ فيه، بينما تنظر إلى "المجموعة الخارجية" (الفريق المنافس) بقدر أقل من التقدير، وقد يصل الأمر إلى التحقير والعداء. فوز فريقك ليس مجرد ثلاثة نقاط، بل هو انتصار شخصي لك، يرفع من شأنك ويؤكد أنك جزء من مجموعة ناجحة وقوية. وفي المقابل، خسارة فريقك تصبح هزيمة شخصية، وطعنة في هويتك، ونقد الفريق يصبح نقدًا لك شخصيًا. هذه الآلية تفسر لماذا يصبح الدفاع عن الفريق بنفس شراسة الدفاع عن النفس.
الحياة مليئة بالضغوط والإحباطات اليومية مشاكل في العمل، أعباء مالية، خيبات أمل شخصية. كثيرًا ما نجد أنفسنا عاجزين عن التعبير عن هذا الغضب أو توجيهه نحو مصدره الحقيقي. هنا يأتي دور آلية نفسية أخرى هي "الإزاحة"
وهي جوهر نظرية الإحباط-العدوان. المباراة توفر مسرحًا مثاليًا لهذه الدراما النفسية. العدوانية المكبوتة التي لا يمكن تفريغها في وجه المدير أو الظروف الاقتصادية، تجد لها هدفًا "آمنًا" ومقبولًا اجتماعيًا داخل سياق التشجيع: الحكم "الأعمى"، مهاجم الفريق الخصم "الممثل"، أو جمهور الفريق المنافس "الجاهل".
الملعب يصبح ساحة للتنفيس عن طريق الإزاحة. الصراخ بأقصى قدر من الغضب، التلفظ بألفاظ نابية، وحتى الدخول في مشادات، كلها طرق للتخلص من شحنات سلبية متراكمة لا علاقة لها بكرة القدم من الأساس. الرياضة هنا ليست السبب، بل هي مجرد قناة لتصريف طاقات وضغوط مصدرها الحياة نفسها. إنها صمّام أمان نفسي يمنع انفجار الغلاّية من الداخل.
هذه المشاعر الجياشة لا تنشأ في فراغ، بل يتم تغذيتها وتضخيمها بشكل مستمر. الإعلام الرياضي، خاصة في العصر الحديث، يلعب دورًا محوريًا في تأجيج المشاعر وتحويل المنافسة الرياضية إلى صراع وجودي. البرامج الحوارية التي تعتمد على الاستفزاز والمبالغة، والتعليقات المنحازة، والتغطية الإعلامية التي تصمغ الخصم بصفات سلبية وتضفي على فريقك هالة من المظلومية والبطولة، كلها عوامل تصب الزيت على النار. وعندما تنتقل هذه الممارسات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، يحدث ما يُعرف بـ "العدوى العاطفية"
حيث تنتقل المشاعر الجماعية، سواء كانت فرحة عارمة أو غضبًا سامًا، بسرعة البرق بين مئات الآلاف، مما يخلق غرف صدى تعزز التعصب وتجعل أي رأي مخالف يبدو كانه كفر
قد يرجع تاريخ الشغب في الملاعب إلى أكثر من قرن، لكن ما تغير هو حجم تأثيره وخطورته، خاصة مع تحول اللعبة إلى صناعة بمليارات الدولارات وتداخل السياسة فيها. التعصب الكروي، ليس مجرد حب مفرط لكرة القدم، بل هو ظاهرة إنسانية معقدة تكشف عن حاجتنا العميقة للانتماء، وعن آلياتنا النفسية في إدارة الإحباط وتعزيز الذات، وعن قدرة أدمغتنا على أن تُختطف عاطفيًا في لحظة. إنها مرآة تعكس احتياجاتنا وهوياتنا، وتظهر لنا إلى أي مدى يمكن أن تتحول لعبة جميلة إلى ساحة للصراع وقتال

أما بالنسبة لشخص لا يشعر بهذا الانتماء ا فربما هذا يمنحه رفاهية ملاحظة الظاهرة من الخارج وهذا الشخص هو انا لأنني واقعيا انتمي بشكل صوري جدا لتشجيع فريق ولكن لا أجد مشاعر لا فرح ولا حزن لاانني اعرف ان الرياضه غالب ومغلوب،

د. محمد هناء الدين زمهلكاوي متعصب الجارديان المصريه