الأحد 31 مايو 2026 11:14 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا : حكاية صورة

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

يرجع تاريخ حكاية هذه الصورة إلى صيف عام ١٩٧٢ ، كنت قد بدأت في هذه السنة كورسات مكثفة للغة الألمانية ، وبدأت التكليف للعمل بشركة "النصر لصناعة السيارات" التي كان يرأس مجلس إدارتها في ذلك الوقت الدكتور مهندس عادل جَزارين، وأتذكر بالفضل العمل مع المهندس عبد المنعم خليفة الذي تعلمت منه الكثير .
كان شريكي في هذه القصة صديق عمري المرحوم "اللواء" أحمد إسماعيل محرم ، الذي كان وقتها في الإجازة الصيفية للسنة قبل الأخيرة في كلية الشرطة . وكان أحد جيراننا ، واسمه شريف عبد العال ، طالباً في كلية طب الأزهر ، وكان يسكن عمارة "شريبة" في حي السادات الذي كنا نقطنه ، وهو مربع صغير للطبقة المتوسطة على كورنيش النيل مقابل لجزيرة الروضة .
طلب شريف من أحمد محرم ومني أن نذهب معه في رحلة لمدة أسبوع إلى الإسكندرية "مجاناً" تنظمها " البعوث الإسلامية "، وكان الدكتور شريف هو منسق الرحلة والمسؤول عنها ، طلب مني أن أغير اسمي إلى "أحمد المرصفي" وأقول انني بالسنة النهائية بهندسة الأزهر ، أما أحمد محرم فيحتفظ باسمه ويقول إنه زميل شريف في طب الأزهر لكنه في السنة الثانية .
يرجع سبب عرضه لنا أن نقوم بالترفيه عن الطلاب المصيفين المشاركين ، وكانوا من كليات مختلفة بجامعة الأزهر ، حيث كان لنا باع طويل في الموسيقى والغناء ، فقد كنا نقيم حفلات "كفرقة" في منزل والد أحمد محرم "اللواء إسماعيل محرم"، وكان أحمد محرم عازفاً للأكورديون والبيانو كوالده ، وكان صديقنا أحمد الشربيني "المحامي" الله يرحمه عازفاً للبونجز ، أما أنا فكنت الطبال والمغني ، وكان نشاط الفرقة أن نبدأ الاحتفالات بمنزل أحمد محرم بمقطوعة "لاكومبارسيتا" من عزف "عمة أحمد محرم " وكنا ندعوها "ماما صوفي" التي كانت بالنسبة لنا أماً فعلاً ، وكان من المقررات أيضاً ترديدي لأغنية "دجّي دجّي يا ربابة" التي كادت تفقدني صوتي لطبقاتها العالية جدا .
سافرنا مع الدكتور شريف عبد العال ، الذي كان في الثالثة أو الرابعة بطب الأزهر وقتها إلى الإسكندرية بالقطار في الدرجة الثانية ، وكانت هناك مواقف طريفة ، حيث كان أحمد يناديني في بعض الأحيان "وصفي" فكنت أتجاهله بالطبع لان اسمي احمد ، ولكنه كان يصمم ويصرخ: "وصفّيييييي".. فأقول له: "هو ماجاش معانا ، تحب نضرب له ترنك؟" ، وعندما كان أحد يسألني: "هو الدكتور أحمد في سنة كام طب؟" كنت أتظاهر بالنوم ، وكذلك كان يفعل أحمد محرم عندما يتم توجيه اي سؤال له عني
كان هناك طالبان غاية في الروعة من ضمن المجموعة ، يدرسان في كلية أصول الدين ، وكانا يملكان صوتاً خلاباً ويؤديان دويتو غاية في الجمال ، كما كانا يؤديان رقصة "زوربا" اليوناني سوياً بإبداع منقطع النظير ، قدمت جامعة الأزهر ( التي كنا نمثلها )حفلاً أقيم لأهالي الثغر ، وغنيت مع إيقاع الدربكة بالإشتراك مع أحد الشابين أغنية "يا طبلة الأفراح " وانا ادق علي الطبلة وكانت كلماتها :
ياطبلة الأفراح يا طبلة
يام النغم صداح يا طبلة
على الصوت المداح
غني الامل لياليه
ياليييييييل يا عين ( ثم يعلو صوتي بموال ياليل ياعين )
التقطت لي اثناء الغناء تلك الصورة المنشورة ، انسجمت أنا جداً مع هذين الشابين وأحببتهما من قلبي ، وكل شيء سار على ما يرام حتى موعد السفر للقاهرة ووصولنا إليها دون أي مشاكل تذكر، حيث كان الدكتور شريف يتعمد عدم إشراكنا في أي ندوات أو محاضرات للبعثة حيث كانت كلها محاضرات دينية .
وصلنا إلى محطة مصر في رمسيس، وطلب مني الشابان أن نلتقي مجددا ، فقلت لهما: " طبعا.. تستطيعان زيارتي في منزلي ، ونلتقي بعدها بأحمد محرم ونقيم سهرة موسيقية في منزله فيما بعد ، وأعطيتهما عنواني على أن يقوما بزيارتي في نفس المساء. الحقيقة ، من حبي للشابين نسيت تماماً أنني مسيحي، وأنهما لو رأيا غرفة الصالون عندي لصُدما حيث تزين حجرة الصالون عندنا صور العذراء مريم والمسيح ومار جرجس ، هذا غير الصلبان ، لكن لم تكن هناك وسيلة تواصل لتجنب هذه الكارثة !
لم أدرك المصيبة إلا عندما دخلا المنزل ، وكان الوجوم سيد الموقف... شربنا الشاي ولم نتحدث في فرقة ولا أغاني ولا غيره ، فقط أرادا تفسيراً لذلك حتى لا يحدث لي مكروه ، فقد انتحلت صفة ليست لي ، فحكيت لهما القصة من "طأطأ لسلامو عليكم" ، حيث أن هدفنا هو نشر البهجة في المعسكر ومضيا صامتين دون وعد بلقاء آخر .
حكيت لأحمد محرم ما حدث ، لكنه هوّن من الأمر حيث قال إنهما لا يستطيعان إثبات أننا كنا معهم ، كما أن والده إسماعيل محرم "نائب مدير أمن الجيزة" في ذلك الوقت سوف يحمينا لو تعرض لنا أحد... وفعلاً، الحمد لله لم يحدث لنا شيء حقاً، ولكن!!!!!!!
مرت عدة أيام ، ومرّ الدكتور شريف عبد العال من أمام منزلنا لكنه لم يلقِ التحية علي كالعادة ، وكان وجهه عبوساً مكتئباً.. ثم استدار وعاد إليّ وهو يقول بلغة كلها تهديد إنني سأدفع الثمن غالياً ، ومضى في طريقه دون أن يستجيب لندائي أو تساؤلي عما حدث ، ولم أره منذ ٥٤ عاماً حتى اليوم .
علمت فيما بعد أنه حُوِّل للتأديب وتم فصله لمدة عام من الجامعة ، ثم عاد إليها واستكمل دراسته وأصبح طبيباً .
الله يرحم أيامك حبيبي أحمد محرم الذي اختطفه الموت وهو شابا كمدير مرور الجيزة .
أقدم اعتذاري الخالص للدكتور شريف عبد العال الذي تسببتُ بحسن نية في فصله لمدة عام من كليته .
يا ترى أنت فين يا يا دكتور شريف؟؟؟

وصفي هنري
فيينا ٢٣ بشنس ٦٢٦٧
الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٦