مدحت الشيخ يكتب : بين الكلمة والابتزاز.. الوجه الآخر لمنتحلي الصفة في الإعلام
لم تعد ظاهرة منتحلي الصفة في المجال الإعلامي مجرد خلل هامشي أو سلوك فردي عابر يمكن تجاوزه بالصمت أو التبرير، بل تحولت في كثير من السياقات إلى نمط قائم بذاته يقوم على الادعاء المتعمد، وتزييف الانتماء المهني، واستخدام اسم الصحافة كواجهة اجتماعية وغطاء نفوذ يُمارس من خلفه ما لا يمت للعمل الإعلامي بصلة.
في هذا المشهد، لا تُمارس المهنة بوصفها مسؤولية قائمة على التحقق ونقل الحقيقة، بل تُختزل عند البعض إلى “بطاقة تعريف مزيفة” تُفتح بها الأبواب، ويُفرض بها حضور مصطنع في المجال العام. وهنا تبدأ خطورة الظاهرة الحقيقية: حين يتحول اللقب إلى أداة، لا إلى التزام مهني.
الأزمة ليست في الادعاء وحده، بل في ما يتفرع عنه من سلوكيات ممنهجة تعيد إنتاج الزيف بشكل يومي. فبعض منتحلي الصفة لا يكتفون ببناء هوية إعلامية وهمية، بل يوظفونها في فرض واقع موازٍ قائم على الضغط والتلويح والتأثير غير المشروع، وصولاً في بعض الحالات إلى حدود الابتزاز الناعم، عبر التهديد الضمني بالنشر أو التشهير أو “تحريك الرأي العام”، مقابل مصالح أو مكاسب أو امتيازات.
وما يزيد المشهد خطورة ووضوحاً أن كثيراً من هؤلاء اعتادوا التسكع أمام أبواب المسؤولين والفعاليات العامة، لا بحثاً عن معلومة أو متابعة مهنية، بل سعياً وراء صورة عابرة أو لقطة فوتوغرافية مع مسؤول، تُستخدم لاحقاً كأداة “تسويق ذاتي” لإضفاء شرعية مزيفة على صفة إعلامية غير موجودة من الأساس. فالصورة هنا لا تُلتقط لتوثيق حدث أو نقل خبر، بل تُستغل كسؤال ضمني: “مع من كنت؟”، لتكون الإجابة البصرية بديلاً عن أي رصيد مهني حقيقي، ووسيلة لاستكمال بناء الوهم أمام الجمهور والجهات.
وهنا تحديداً يحدث الانفصال الكامل بين الصحافة كقيمة مهنية، وبين ما يتم تسويقه زوراً باسمها. فالإعلام الحقيقي يقوم على التحقق، والمسؤولية، وخضوع الممارسة لقواعد واضحة من الضبط الأخلاقي والقانوني، بينما ما نراه في هذا النمط هو توظيف انتقائي للصفة خارج أي إطار مؤسسي أو مهني.
وتتفاقم المشكلة حين يصبح المشهد العام غير قادر على التمييز بدقة بين الصحفي المهني المعتمد الذي يعمل داخل مؤسسة واضحة ومسؤولة، وبين من ينتحل الصفة عبر حسابات شخصية أو منصات غير موثقة، مستفيداً من تشوش البيئة الرقمية وسهولة إطلاق الألقاب دون سند حقيقي.
الأخطر أن هذا الانفلات لا يضر الأفراد المستهدفين فقط، بل يضرب بنية الثقة في المجال الإعلامي بأكمله. فكل ممارسة مزيفة تُضاف إلى الرصيد السلبي العام، حتى لو كانت منفصلة عن العمل الصحفي الحقيقي، ما يؤدي تدريجياً إلى اهتزاز صورة المهنة أمام الجمهور، وخلق حالة من الشك الدائم في كل ما يُنشر أو يُقال.
كما أن غياب آليات التحقق الصارمة في بعض التعاملات، ووجود مساحة واسعة من التساهل في منح الاعتراف غير الرسمي، يمنح هؤلاء قدرة على التمدد، وإعادة إنتاج أنفسهم داخل المشهد العام، وكأن الصفة يمكن اكتسابها بالإعلان عنها لا بالانتماء إلى مؤسسة أو الالتزام بمعايير مهنية معروفة.
ولا يقف الأمر عند حدود التشويه، بل يتجاوزه إلى بناء ما يشبه “اقتصاد نفوذ وهمي”، تُستخدم فيه الصفة الإعلامية كعملة تفاوض غير رسمية، يُلوّح بها في سياقات مختلفة، لإنتاج تأثير غير حقيقي، أو فرض استجابة لا تستند إلى أي شرعية مهنية.
إن استمرار هذا الواقع دون مواجهة حقيقية وحاسمة يعني عملياً ترك المجال مفتوحاً أمام تآكل معنى الإعلام نفسه، وتحويله من مهنة قائمة على الحقيقة والمساءلة إلى مساحة رمادية قابلة للاستغلال، حيث تختلط الكلمة بالنفوذ، والمعلومة بالمصلحة، والصفة بالادعاء.
وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في المنتحل وحده، بل في البيئة التي تسمح باستمرار هذا الالتباس. فحين تفقد الصفة معناها، تفقد الكلمة وزنها، وحين تُختطف المهنة من مضمونها، يصبح التشويش هو القاعدة، وتصبح الحقيقة هي الاستثناء.












مباحث المرج تضرب أوكار المخدرات.. رسالة حاسمة بأن أمن المواطنين خط أحمر
السجن 10 سنوات لمدرس بمعهد موسيقى هتك عرض طفلة في الجيزة خلال...
النيابة تعاين موقع مقتل ربة منزل على يد زوجها في طوخ وتأمر...
حبس الأب المتهم بقتل ابنته الطفلة 10 سنوات على ذمة التحقيقات
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل