الثلاثاء 21 يوليو 2026 01:07 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاتة زكريا يكتب: الأمن لا تحققه الجيوش وحدها

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

حين يُذكر الأمن تتجه الأذهان تلقائيا إلى الجيوش والأسلحة والمنظومات الدفاعية والحدود المحصنة. وهي بلا شك ركائز أساسية لا غنى عنها في حماية الدول وصون سيادتها. لكن التجارب الحديثة أثبتت أن مفهوم الأمن أصبح أوسع بكثير من أن يختزل في القوة العسكرية وحدها وأن الدول التي تكتفي ببناء الجيوش وتغفل بناء الإنسان إنما تحمي حدودها بينما تترك جبهاتها الداخلية عرضة لكل أشكال الاختراق.
لقد تغير العالم وتغيرت معه طبيعة التهديدات. فلم تعد الحروب دائمًا تبدأ بإطلاق رصاصة بل قد تبدأ بمنشور كاذب أو شائعة مدروسة أو أزمة اقتصادية أو خطاب متطرف أو محاولة لتفكيك الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. وفي كثير من الأحيان تكون هذه الأدوات أكثر تأثيرا من السلاح نفسه لأنها تستهدف العقل قبل الأرض والوعي قبل الحدود.
ولهذا لم يعد الأمن مسؤولية المؤسسة العسكرية وحدها مهما بلغت قوتها وكفاءتها بل أصبح مشروعا وطنيا تشارك فيه مؤسسات الدولة كافة بدءا من المدرسة مرورا بالجامعة والإعلام، والأسرة، والثقافة، وصولًا إلى الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالمدرسة التي تزرع قيم الانتماء تؤدي دورا أمنيًا لا يقل أهمية عن أي منظومة دفاعية. والمعلم الذي يربي على التفكير واحترام الوطن يساهم في بناء حصانة فكرية ضد التطرف والشائعات. والأسرة التي تغرس الأخلاق وتتابع أبناءها تحمي المجتمع من الانحراف قبل أن تتحول الأخطاء إلى جرائم أو أفكار هدامة.. أما الإعلام فهو اليوم أحد أهم خطوط الدفاع عن الدول. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الخبر بل يفسره ويضعه في سياقه ويمنع الفراغ الذي تتسلل منه الأكاذيب. وفي المقابل فإن الإعلام الذي يلهث خلف الإثارة أو يفتقد المهنية قد يتحول دون قصد إلى أداة تهدم الثقة وتضاعف القلق وتمنح الشائعات مساحة أوسع للانتشار.. ولعل أخطر ما تواجهه الدول في العصر الحديث هو ما يمكن تسميته بحروب الوعي إنها معارك لا تخاض بالدبابات والطائرات وإنما بالمعلومات والصور والمقاطع المجتزأة وبمحاولات مستمرة للتأثير في الرأي العام وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة. ولهذا أصبحت حماية الوعي الوطني جزءا أصيلا من منظومة الأمن الشامل.
ولا يقل الأمن الاقتصادي أهمية عن أي نوع آخر من الأمن. فالمجتمع الذي تتوافر فيه فرص العمل وتحسن فيه الخدمات ويشعر المواطن فيه بثمرة التنمية يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر تماسكا أمام محاولات الاستغلال أو التحريض. فالاستقرار الاقتصادي ليس مجرد مؤشر مالي بل هو عنصر أساسي في استقرار المجتمعات.. ومن هنا فإن التنمية نفسها أصبحت قضية أمن قومي. فكل مدرسة تبنى وكل مستشفى يقدم خدمة أفضل وكل طريق يربط بين المدن وكل مصنع يوفر فرصة عمل يمثل إضافة حقيقية إلى منظومة الأمن الوطني. فالدول لا تحمى فقط بالأسوار وإنما تحمى أيضا بالأمل الذي تمنحه لمواطنيها وبالثقة التي تبنيها بينهم وبين مؤسساتها.. وفي عالم متشابك أصبح الأمن الإلكتروني بدوره ميدانا لا يقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية. فالهجمات السيبرانية قد تعطل مؤسسات أو تستهدف بنية تحتية أو تسرق بيانات أو تؤثر في قطاعات حيوية. ولذلك لم يعد الاستثمار في التكنولوجيا وأمن المعلومات رفاهية بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر.
كما أن الأمن الثقافي أصبح جزءا من معادلة الاستقرار. فالحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح الواعي على الثقافات الأخرى ودعم الفنون والآداب التي تعزز قيم المجتمع، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية وطنية متوازنة، قادرة على التمييز بين الانفتاح والتبعية وبين التطور وفقدان الهوية.. إن الجيوش القوية تمنح الدول القدرة على ردع العدوان لكن المجتمعات الواعية تمنحها القدرة على الصمود. وقد أثبت التاريخ أن دولا امتلكت أحدث الأسلحة لكنها انهارت عندما تآكلت جبهتها الداخلية بينما استطاعت دول أخرى أن تتجاوز أزمات كبرى لأنها كانت تمتلك شعبًا متماسكا يدرك حجم التحديات ويثق في وطنه.. ومن هنا فإن العلاقة بين الأمن والتنمية ليست علاقة منفصلة بل هي علاقة تكامل. فلا تنمية بلا استقرار ولا استقرار بلا عدالة ولا عدالة بلا مؤسسات قوية ولا مؤسسات قوية من دون مواطن يشعر بأنه شريك في بناء وطنه.
ومصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي تدرك هذه الحقيقة جيدا. ولهذا تتعامل مع مفهوم الأمن بمنظور شامل يجمع بين حماية الحدود وتعزيز قدرات القوات المسلحة ومواصلة مشروعات التنمية وتطوير البنية التحتية والاستثمار في التعليم والصحة والتحول الرقمي باعتبارها جميعا دوائر متكاملة في حماية الدولة وتعزيز استقرارها.
إن الأمن الحقيقي لا يقاس بعدد الدبابات والطائرات وحدها بل يقاس أيضا بقدرة الدولة على توفير حياة كريمة لمواطنيها وبقوة مؤسساتها وبوعي شعبها وبتماسك مجتمعها وبقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للمستقبل.
وفي النهاية تبقى الجيوش هي درع الوطن وسياجه المنيع وستظل محل تقدير واحترام لدورها الوطني العظيم. لكن التجربة الإنسانية تؤكد أن هذا الدرع يزداد قوة كلما ساندته جبهة داخلية واعية واقتصاد متماسك وإعلام مسؤول وتعليم يفتح العقول وثقافة تصنع الانتماء. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد مهمة مؤسسة واحدة بل أصبح مسؤولية وطن بأكمله يعرف أن حماية الأرض تبدأ دائما بحماية الإنسان.

شحاتة زكريا الأمن لا تحققه الجيوش وحدها الجارديان المصريه