الإثنين 15 يونيو 2026 02:36 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله يكتب: نجاح مطلق

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله
الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله

​الحبيب المصطفى ﷺ هو أفضل الخلق على الإطلاق، ولا يختلف في ذلك منصف ولو كان من غير المسلمين، ودليل ذلك ما كتبه الكاتب الأمريكي مايكل هارت في كتابه "العظماء مائة وأعظمهم محمد"، إذ يقول بالنص: "إن النبي محمداً - ﷺ - هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستويين الديني والدنيوي"، ولهذا السبب وضعه على رأس قائمة العظماء في تاريخ الإنسانية.
​فقد بدأ رسول الله ﷺ حياته يتيماً، رعى الغنم على قراريط لقريش، وتاجر لامرأة في مالها، ولقي عراقيل كثيرة، لتُختم حياته بقيادة دولة قوية فتية، أسسها ﷺ في ثلاث وعشرين سنة. فالمتأمل بين مرحلتي “اقرأ” في غار حراء، وبين “اليوم أكملت لكم دينكم” في حجة الوداع، يجد نموذجاً فريداً يجعلنا نتساءل: ما أسباب هذا النجاح المطلق الذي خلق حالة فريدة غير مسبوقة في تاريخ البشرية؟ لعل جواب ذلك يكمن في العناصر الآتية:
​أولاً: وضوح الهدف مستوفياً شروطه:
كانت وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحياة هي تبليغ رسالة الله إلى قريش وعرب الجزيرة والدول العظمى آنئذٍ. وهذا الهدف بالنسبة للرسول ﷺ كان واضحاً، ولأجله اتخذ خطوات عملية للوصول إلى هذا المبتغى السامي.
​ثانياً: الإصرار على الهدف والسعي لنيله:
والمقصود من هذا ترقب الهدف ومتابعته مع التطور الزمني، وإن اختفى هذا الهدف في بادئ الأمر، أو حالت دونه بعض المغريات والمفاوضات. ونجد ذلك تجلى في عرض قريش المال والجاه والنساء على النبي بشرط التخلي عن دعوته، فقال عبارته المشهورة: “أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك من أن تستضيئوا لي منها بشعلة”. فلو هلك النبي دونه لكنا سميناه حلماً، لكن لكونه تحقق وانتشر دين الله القويم، فقد صار هدفاً محققاً.
​ثالثاً: تجاوز الصعاب:
يقال إن طريق النجاح ليس مفروشاً بالورود، بل قد يكون محفوفاً بالأشواك، وكما قيل: “ولا بُدّ دون الشَّهد من إبر النحل”، فالاستسلام للصعاب أو التخلي عن الهدف من أجل التحديات القائمة يسمى حلماً (أو عجزاً) وليس هدفاً. ومن الصعاب التي مرت بالنبي عليه الصلاة والسلام إيذاء قريش له ولأصحابه، والهجرة أو الاغتراب عن أحب البلاد إليه.
​رابعاً: توفر عنصر الحماية:
إن حسن النية والرغبة في تغيير العالم إلى مكان أفضل ليسا مبرراً كافياً للنجاح، وذلك لتباين الرؤى والأهواء والأديان، وحرص جميع الأطراف على مصالحهم. ومن هنا، فإن كثيراً من المصلحين يبدأون مسيراتهم برفع الرايات، ويستغربون من أن يُقتل رجل لأنه قال: “ربي الله”، لكنهم يدركون بعد ذلك أن الحديد بالحديد يُفل، وأنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولأكل الغني والقوي الفقيرَ والضعيفَ، فيُدخلون فلسفةَ “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” ويتطور الأمر إلى تبنّي “أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا”. ومن هنا يقرأ الإنسان في سيرة النبي أن حماية عمه وجده وزوجته له كانت من أسباب نجاح دعوته، ثم استقطابه للحلفاء من العرب، وكذا البيعة الأولى والثانية؛ وهي ما يُعرف ببيعة العقبة التي بايع فيها الأوس والخزرج النبي ﷺ على قوله: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
​خامساً: اتخاذ الأسباب المادية للنجاح:
كل ما سبق يبين أهمية اتخاذ الأسباب للنجاح، وكما يقال: “من لم يخطط للنجاح فقد خطط للفشل”، فتوفير العلم والصورة الكاملة لما يريد الإنسان تحقيقه مهم للنجاح، وتوفير الجهات والأشخاص المناسبين والنفقات اللازمة مهم كذلك؛ وهذا يتضح لنا في صداقته ﷺ مع أبي بكر الصديق، وإسلام عبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وبلال، وعمر، وابن أبي وقاص، ومؤازرة الخزرج وبني هاشم وغيرهم.. كما أن عامل الوقت والصبر من أهم أسباب النجاح المادية.
​سادساً: العناية الربانية:
وهي من أهم دعائم نجاح النبي ﷺ، فإن العناية الربانية سبقت الأسباب المادية؛ وتأمل هنا قوله تعالى: “ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى”، وقوله: “والله يعصمك من الناس”. يدرك المدقق أن دراسة سيرته عليه السلام هي أفضل نموذج لاستقراء عوامل النجاح، حيث إن جميع الأسباب المادية التي اتخذها الرسول ﷺ وافقتها وحرستها عناية ربانية.
​قد يقال إن محمداً ﷺ كان نبياً وقد صنعه الله على عينه، فلا يُجعل نجاحه وحياته مقياساً للبشر، لكن المتأمل يجد أن حقيقة النجاح تكمن في وجود هدف، وعدم الحياد عنه أمام المغريات، وتوفير خطط عملية وعلمية لتحقيقه، وهذا أسمى ما نخرج به من دراسة سيرة النبي الأعظم.

حكايات مصيرية الحسيني عبدالله نجاح مطلق الجارديان المصريه