السبت 20 يونيو 2026 01:17 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد تكتب: من عدمٍ إلى عدم... معادلة عادلة

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

نأتي إلى هذا العالم بلا شيء.

لا نحمل معنا سوى صرخة الميلاد، ويدين فارغتين، وقلبٍ لم يتعلم بعد معنى الفقد أو الامتلاك. ثم نمضي العمر كله نركض خلف الأشياء، نجمع الأسماء والمناصب والأموال والذكريات، ونظن أحيانًا أن ما نملكه هو ما يعرّفنا.

لكن الحياة، في لحظة صفاء نادرة، تكشف لنا سرها الأكبر:

لقد جئنا من عدم، وسنعود إلى عدم.

وبين العدمين تدور كل الحكاية.

قد تبدو الفكرة قاسية للوهلة الأولى، لكنها في حقيقتها من أكثر المعادلات عدالةً في الوجود. فالذي وُلد في قصرٍ فخم، والذي وُلد في كوخٍ متواضع، كلاهما جاء إلى الدنيا بالهيئة نفسها. والذي يملك الأرض بما عليها، والذي لا يملك سوى قوت يومه، كلاهما سيرحل يومًا تاركًا كل شيء خلفه.

الموت هو المساواة الكبرى التي لم يستطع أحد أن يشتري استثناءً منها.

لهذا تبدو الحياة أحيانًا أشبه بمسرحية قصيرة، يختلف فيها حجم الأدوار، لكن النهاية واحدة. بعضهم يقضي عمره يجمع الذهب، وبعضهم يقضي عمره يجمع المحبة، وحين يسدل الستار لا يبقى من الأول إلا ما أنفقه، ولا من الثاني إلا ما تركه في القلوب.

المفارقة أن الإنسان يعرف هذه الحقيقة جيدًا، لكنه يتصرف وكأنه خالد.

يغضب من أجل أشياء ستبقى بعده. ويخاصم من أجل أمور ستمحوها السنوات. ويتعب قلبه في سباقٍ لا خط نهاية فيه إلا الرحيل.

وربما تكمن الحكمة كلها في إدراك أن قيمة الحياة لا تأتي من طولها، بل من معناها.

فإذا كان البدء عدمًا، وكانت النهاية عدمًا، فإن ما بينهما هو الفرصة الوحيدة لصناعة الأثر.

الأثر الذي يبقى في روح إنسانٍ أسعدناه. في كلمةٍ طيبة قلناها. في يدٍ امتدت لمساعدة محتاج. في محبةٍ صادقة تركت نورها في قلبٍ آخر.

لسنا مسؤولين عن نقطة البداية، ولا نملك قرار النهاية، لكننا مسؤولون عن المسافة بينهما.

تلك المسافة التي نسميها العمر.

ومن هنا تبدو معادلة الوجود عادلة على نحوٍ مدهش:

من عدمٍ جئنا... وإلى عدمٍ نعود...

أما ما يصنع الفرق حقًا، فهو كيف عشنا الرحلة بينهما.

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد من عدمٍ إلى عدم... معادلة عادلة الجارديان المصرية