عصام بيومى يكتب من كندا : خرافة التنوير.. الحداثة وما بعدها وتشويه الفكر الإنساني
المشهد الفكري والاجتماعي للمجتمع الإنساني، بكل أجناسه وملله ونحله، عبارة عن لوحة لفوضى عارمة تتشكل من انهيار قيمي، وتيه أخلاقي لا حدود له، وانتشار للإلحاد المادي والمذهب النفعي -أسسه جيرمي بانتام- الذي لا يقدس سوى المتعة والرغبة والمصلحة.
وأمام هذا المشهد العام سؤال عام: كيف وصل العالم إلى هذا المستوى من التشوه والانحلال والتردي؟ والإجابة تُبقينا مع خرافة التنوير الأوروبي وخاصة مع اثنين من افتراءاته الفكرية وهما "الحداثة"، و"ما بعد الحداثة". وهما ليستا مجرد تطور طبيعي للفكر، بل حلقتان عبثيتان مدبرتان لتشويه صورة الحقيقة في عقل الإنسان، وتفريغه من كل معنى روحي سامٍ. كنت شرحت ذلك مجملا سابقا وهنا مزيد من التفصيل.
وأبدأ مع الحداثة وخرافة رفع العقل إلى درجة الألوهية. الحداثة هي تلك الحركة التي قامت على كذبة "نضج العقل البشري"، وزعمت أن البشرية "بلغت سن الرشد" واستغنت عن الوحي والسماء. تلك الفرية العجيبة يكمن خطرها في أنها رفعت العقل الإنساني القاصر، المحدود بأفقه الزمني والمكاني، والمتأثر بشهواته وأهوائه، إلى مرتبة الحكم المطلق على الكون والوجود. ولم يكن ذلك إلا وثنية قديمة جديدة، وكان معبودها هو "العقل" وتحديدا العقل اليهودي الأناني الذي يسعى دائماً لتبرير رغباته لا لمعرفة خالقه... بل إلى إنكاره.
لم تكن تلك الحداثة فكرة محايدة؛ بل كانت حرباً ممنهجة على فكرة "الغيب". فبعد أن أعلن التنوير "موت الإله" في الغرب، شرع في تصدير هذا التشوه الفكري إلى بقية العالم تحت مسمى "التقدم" و"العلمانية". ولكن المفارقة الساخرة أن هذا العقل الذي قدسته الحداثة، والذي وعد البشرية باليوتوبيا (المدينة الفاضلة)، هو نفسه العقل الذي أقحم البشرية في حروب داخل أوروبا ثم من أوروبا على الإسلام (الحروب الصليبية)، ثم في حربين عالميتين، وقنابل ذرية، وأوبئة مصطنعة وإبادة جماعية. ولم تكن إشاعة تلك الأفكار إلا جزءًا من عملية طويلة لتجريد الإنسان من أي سلطة أخلاقية عليا تعوق أعداء الإنسانية عن إساءة استغلال الدنيا ونهب خيراتها.
هنا نصل إلى ما بعد الحداثة والتشويه الذي قتل الحقيقة والمعنى عن عمد. عندما فشل مشروع الحداثة، وانهارت خديعة العقل المطلق، كان من المفترض أن يعود الغرب إلى رشده وإلى فطرته. لكن المدهش أن العلاج جاء في صورة "ما بعد الحداثة"؛ أي فلسفة "اللا يقين"، التي تعتبر قمة الانحطاط والتشوه الفكري.
"ما بعد الحداثة "لم تصحح مسار الحداثة، بل أضافت إليه سُماً أشد فتكاً هو إنكار الحقيقة ذاتها انطلاقا من "العدمية النتشوية". فبدلاً من أن تقول "العقل الإنساني أخطأ في فهم الحقيقة"، قالت "لا توجد حقيقة من الأساس!". هذه النزعة النسبية التي تزعم أن كل شيء مجرد "خطاب" و"تأويل"، و"كل وجهة نظر صحيحة"، هي في الحقيقة أداة لتبرير أي انحراف، وتفكيك أي ثابت، وهدم أي دين... انفلات تام.
هذه عدمية لا تخفى على عاقل. وهي تتناقض مع نفسها! فهي تزعم أنه لا توجد حقيقة مطلقة، ثم تطرح ذلك كحقيقة مطلقة يجب على الجميع الإيمان بها! هذا التهافت الفلسفي لم يكن ليُكتب له النجاح أو الانتشار لولا أنه نتاج أجندة واضحة، وهي تحطيم كل القيم المطلقة التي تمنع الإنسان من ارتكاب الفواحش، وتحرير الغريزة من أي قيد ديني أو أخلاقي. إنها فلسفة "اعمل ما تشاء"، والتي أدت إلى ما نراه اليوم من شيوع الشذوذ، وتفكك الأسرة، وعبادة الجسد والمال، بل والإلحاد الصريح الذي يعلن أن الكون عبثي ولا هدف له.
قد يقول قائل: هذه مجرد أخطاء فكرية بريئة، ولا داعي لنظريات المؤامرة. لكن التدبر في تسلسلها التاريخي يكشف أنها كانت منهجاً متعمداً لتدمير الفطرة الإنسانية.
فالحداثة هدمت سقف السماء (علاقة الإنسان بالخالق)، فجعلت الدين في زاوية المعتقدات الخاصة، وسلبت منه قدرته على تنظيم الحياة العامة. وأما ما بعد الحداثة فهدمت الأرض التي يقف عليها الإنسان (الأخلاق الثابتة)، فأصبحت الفضيلة رذيلة، والرذيلة حقوقاً إنسانية تجب حمايتها.
إنها صناعة الكفر في أوضح صورها.
لذلك لم يكن مستغربا أن مفكرين عظاما أكدوا رفضهم لما يسمى الفلسفة وعلى رأسهم- إضافة إلى الشافعي والغزالي وابن تيمية- ابن خلدون الذي خصص في مقدمته فصلاً كاملاً بعنوان "في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها"، وحذر من خطرها على العقيدة والمجتمع. وفي الغرب كثيرون منهم جوستاف لوبون الذي أكد في كتابه "روح السياسة" رفضه للفلسفات الكلاسيكية التي جعلت العقل هو المحرك الأول للتاريخ.
essam7@gmail












الداخلية تكشف تفاصيل سرقة شقة حبيب العادلي
بلاغ من الفنانة نرمين الفقي تتهم خادمة أفريقية بسرقة قطعة ذهبية
الإفراج عن 1834 نزيلا من مراكز الإصلاح احتفالا بذكرى 30 يونيو
لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتلقى شكوى من الكابتن حسام حسن...
سعر الدولار اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026 مقابل الجنيه المصري
أسعار الذهب في مصر اليوم السبت 27 يونيو 2026
إرتفاع أسعار الذهب اليوم الجمعة 26-6-2026 فى محلات الصاغة
اسعار الذهب اليوم الأربعاء في محلات الصاغة