السبت 18 يوليو 2026 10:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعي يكتب: ”زاد عن حده فانقلب لضده”: حينما يتحول الدعم إلى ”هوس” مُنفر

الكاتب الكبير محمد الشافعى
الكاتب الكبير محمد الشافعى

تُعد كرة القدم في عالمنا العربي أكثر من مجرد رياضة؛ إنها المتنفس الشعبي، وحالة الوجد الجماعي التي توحد الناس خلف راية واحدة. شهدنا مؤخراً التفافاً رائعاً من الشعب المصري والعربي خلف المنتخب الوطني في كأس العالم، حيث كان التشجيع نابعاً من القلب، متجاوزاً حدود الرياضة ليصبح حالة من الفخر الوطني. ورغم الهزيمة في المباراة الأخيرة ضد الأرجنتين، والتي شهدت جدلاً تحكيمياً واسعاً، إلا أن الجماهير اختارت التغاضي عن الأخطاء الفنية، واحتفت بالأداء الرجولي، وصفقت للفريق إيماناً بأن الخسارة جزء من اللعبة.
ولكن، وكما يقول المثل العربي القديم: "ما زاد عن حده انقلب لضده"، تحولت تلك الحالة الصحية من الدعم والمساندة إلى حالة من الهوس غير المبرر، والتي باتت تثير استياءً عارماً لدى الشارع المصري.
** من الدعم إلى الفوضى .. مشهد لا يليق
لقد انتقلنا من الاحتفاء بالأداء الرياضي إلى "مهرجانات تكريم" شبه يومية لكل لاعب في محافظته، في سياق يفتقر لأي منطق رياضي أو واقعي. هذه المبالغات التي نراها، لم تعد تعبر عن حب، بل أصبحت تعكس حالة من "الفراغ المجتمعي" الذي يبحث عن بطولات وهمية ليعلق عليها آماله، مما أدى بالضرورة إلى اختلال في موازين التقدير.
** الإعلام الرياضي.. المتهم الأول
لا يمكن إغفال دور الإعلام في هذا المشهد العبثي ، فبدلاً من تحليل الأداء بموضوعية، تحول الإعلام الرياضي والمجتمعي إلى منصات لـ "الهلفطة" وتقديم محتوى سطحي ومبتذل.
أصبحنا نتابع تفاصيل الحياة الشخصية للاعبين وعائلاتهم، وتصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل وصلت الأمور إلى عرض فضائح عائلية ومواقف لا تمت للرياضة بصلة. هذا التضخم الإعلامي صور اللاعبين والمدربين كأنهم "فوق الجميع" و"أشباه آلهة" لا يخطئون، مما خلق فجوة كبيرة بينهم وبين الواقع والجمهور.
"** تمثال للمدرب".. نهاية المنطق
وصل الانحدار في التقدير إلى ذروته حينما طالبت أصوات بوضع تماثيل للمدرب في الميادين! إن هذا التصرف هو قمة الانفصال عن الواقع.
نحن نتحدث عن فريق لعب، واجتهد، وانهزم، وعاد إلى بلاده، وهي دورة طبيعية لأي فريق في العالم. إن خلق هالات تقديس لمن قاموا بوظيفتهم فقط ، بل وأخفقوا في تحقيق النتيجة المرجوة ، هو مؤشر خطر على تدهور المعايير الثقافية والرياضية في المجتمع.
** رسالة استغاثة.... كفى!
إن اللاعبين والمدربين هم في النهاية بشر، والرياضة هي منافسة ربح وخسارة .. المبالغة في التشجيع وتحويلهم إلى "أيقونات مقدسة" لا يخدم الرياضة المصرية في شيء، بل يدمر عقلية اللاعب، ويجعله يظن أنه فوق النقد والمحاسبة.
لقد وصل الناس إلى مرحلة من "القرف" والضجر من هذا التكرار المبتذل .. آن الأوان أن يتوقف هذا السيرك الإعلامي، وأن نستفيق من هذا الهوس .. الكرة في ملعب الجميع:" إعلاميون، مسؤولون، وجماهير" لنعيد الأمور إلى نصابها، ونضع الرياضة في حجمها الطبيعي، فمصر تستحق إعلاماً يرتقي بوعي مواطنيها، وليس إعلاما يغرقهم في تفاهات تغطي على قضاياهم الحقيقية.
استفيقوا يرحمنا ويرحمكم الله، فما زاد عن حده انقلب لضده.

محمد الشافعي ”زاد عن حده فانقلب لضده”: حينما يتحول الدعم إلى ”هوس” مُنفر الجارديان المصرية مقالات محمد الشافعى