السبت 18 يوليو 2026 10:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: هل يتحول عامل الزمن إلى السلاح الأخطر في الحرب؟

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

لم تعد هذه الحرب تُقاس بعدد الغارات أو حجم النيران المتبادلة، بل أصبحت معركة أعصاب واستنزاف، يحاول فيها كل طرف إرهاق الآخر قبل الوصول إلى لحظة الحسم. وفي مثل هذه الحروب، لا يكون التفوق العسكري وحده كافيًا، بل تصبح القدرة على الاستمرار وإدارة الموارد عنصرًا لا يقل أهمية عن امتلاك القوة.
ومن يراقب سير العمليات يلاحظ أن المشهد الحالي يختلف عن المراحل الأولى من المواجهة. فهناك تغير واضح في توزيع الأدوار داخل التحالف المناهض لإيران، وهو ما فرض على الولايات المتحدة مسؤوليات أوسع من السابق.
ففي الجولات الأولى، كان الطيران الإسرائيلي يركز معظم عملياته على غرب ووسط إيران، بينما انصب الجهد الأمريكي بصورة أكبر على الجنوب والسواحل ومضيق هرمز. هذا التقسيم منح كل طرف مساحة يتحرك فيها وفق اختصاصه، لكنه لم يعد قائمًا بالوتيرة نفسها.
ومع تراجع هذا الدور، أصبحت واشنطن مطالبة بتغطية مسرح عمليات واسع يمتد من الحدود الغربية لإيران حتى الخليج العربي، وهو تحدٍ عسكري معقد يتطلب توزيعًا مستمرًا للقوات والقدرات.
ويرى أصحاب هذا التحليل أن هذا الواقع منح إيران مساحة أكبر للحفاظ على جزء من قدراتها الصاروخية، والاستمرار في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة متقاربة، مستفيدة من اتساع أراضيها وتعدد مواقع الإطلاق وصعوبة استهدافها جميعًا في توقيت واحد.
كما أن الطبيعة الجغرافية لإيران تفرض تحديًا إضافيًا، فمساحتها الكبيرة تجعل فرض سيطرة جوية شاملة ومستمرة مهمة شديدة التعقيد، حتى بالنسبة لقوة تمتلك إمكانات عسكرية ضخمة.
وفي المقابل، أصبحت القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة تعمل تحت ضغط متزايد، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز اعتمادها على حاملات الطائرات المنتشرة في بحر العرب، إلى جانب منصات إطلاق متنقلة يجري نشرها في مناطق مفتوحة لتقليل فرص استهدافها.
كما أن التقارير المتداولة عن استهداف بعض المنظومات الأمريكية خارج القواعد التقليدية، إذا ثبتت صحتها، قد تعكس محاولة لإجبار القوات الأمريكية على تغيير أماكن انتشارها بصورة مستمرة، وهو ما يزيد من تعقيد إدارة العمليات.
ولا يبدو أن الرهان الإيراني يقوم على مواجهة التفوق الجوي الأمريكي بصورة مباشرة، لأن موازين القوى في هذا المجال معروفة، وإنما يعتمد، وفق هذه القراءة، على استنزاف هذا التفوق وتشتيت جهوده بين عدد كبير من المهام المتزامنة.
فالقوات الأمريكية مطالبة في الوقت نفسه بالدفاع عن قواعدها، وحماية دول الخليج، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وملاحقة منصات الإطلاق المتحركة، وتأمين حاملات الطائرات، وحماية طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود. وكل مهمة تستنزف جزءًا من القدرات المتاحة.
ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الانتشار الواسع من نقطة قوة إلى عبء تشغيلي إذا استمرت الحرب بالإيقاع نفسه، لأن توزيع القوة على مساحات كبيرة يقلل من قدرتها على تركيز الجهد في اتجاه واحد.
وبناءً على هذه المعطيات، يعتقد أصحاب هذا الرأي أن إيران تراهن بالدرجة الأولى على عامل الزمن، وأنها تسعى إلى إطالة أمد المواجهة أملاً في إنهاك خصومها تدريجيًا، وليس عبر تحقيق تفوق عسكري مباشر.
ومن هذا المنطلق تبقى هذه القراءة تحليلًا سياسيًا وعسكريًا يستند إلى معطيات متداولة، بينما يظل مسار الحرب ونتائجها النهائية رهنًا بالتطورات الميدانية والقرارات التي ستتخذها الأطراف المتصارعة خلال الأيام المقبلة.

ضاحى عمار هل يتحول عامل الزمن إلى السلاح الأخطر في الحرب؟ الجارديان المصريه