الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: من يستحق وزارة الثقافة؟ (16) الدكتور هشام عزمي..هل يبدأ مستقبل الثقافة المصرية من ضغطة زر؟
حين بدأت هذه السلسلة، كنت أبحث عن مشروع.
ولم أكن أبحث عن اسم.
كنت أبحث عن شخص يستطيع أن يقود الثقافة المصرية في زمنٍ تغيّر فيه كل شيء.
زمن لم يعد فيه الكتاب وحده هو مصدر المعرفة.
ولم تعد فيه المكتبة هي المكان الوحيد الذي يقصده القارئ.
ولم يعد فيه التراث محفوظًا داخل الجدران...
بل أصبح مهددًا بالضياع إن لم ينتقل إلى العالم الرقمي.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس:
من يصلح لوزارة الثقافة؟
بل:
من يستطيع أن ينقل الثقافة المصرية من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين؟
وهنا...
يبرز اسم الدكتور هشام عزمي.
قد لا يكون الأكثر ظهورًا في وسائل الإعلام.
ولا الأكثر حضورًا على منصات التواصل الاجتماعي.
لكنه، في تقديري، واحد من أكثر العقول التي فهمت مبكرًا أن معركة الثقافة القادمة لن تكون في قاعات الندوات فقط...
بل على الشاشات.
وفي قواعد البيانات.
وفي المنصات الرقمية.
وفي قدرة الدولة على حماية ذاكرتها الوطنية قبل أن تضيع بين ملايين الملفات المنتشرة في فضاء الإنترنت.
على امتداد سنوات طويلة، جمع الدكتور هشام عزمي بين البحث العلمي، والعمل الأكاديمي، والإدارة الثقافية.
لكنه لم يتعامل مع الثقافة باعتبارها كتبًا توضع فوق الأرفف.
كان يرى أن المعرفة إذا بقيت حبيسة الورق...
فقدت جزءًا كبيرًا من رسالتها.
ولهذا ارتبط اسمه بمشروعات رقمنة التراث، وتطوير خدمات المعرفة، وإتاحة الوثائق والمخطوطات للأجيال الجديدة، حتى تصبح الثقافة المصرية حاضرة في العصر الذي نعيش فيه، لا أسيرة للعصر الذي جاءت منه.
وقد يسأل البعض:
وهل الرقمنة وحدها تكفي؟
والإجابة بالطبع...
لا.
فالوزارة لا تحتاج إلى مهندس حاسب.
كما أنها لا تحتاج إلى موظف يجيد استخدام التكنولوجيا.
إنها تحتاج إلى عقل يعرف كيف يوظف التكنولوجيا في خدمة الهوية.
وهنا يكمن الفارق.
فالتحول الرقمي ليس أن نحول الكتب إلى ملفات إلكترونية.
وليس أن ننشئ موقعًا على الإنترنت.
وليس أن نضع المخطوطات داخل أجهزة حفظ حديثة.
التحول الرقمي الحقيقي...
هو أن تصبح الثقافة قادرة على الوصول إلى المواطن أينما كان.
أن يجد الطالب كتابًا نادرًا بضغطة زر.
وأن يصل الباحث إلى وثيقة تاريخية دون أن يقطع مئات الكيلومترات.
وأن يقرأ الطفل المصري تراث بلاده بالطريقة التي تناسب عصره.
هذه هي الثورة الحقيقية.
ولعل ما يمنح الدكتور هشام عزمي خصوصية في هذا السياق، أنه لم يأت من خارج المؤسسة.
بل عرفها من الداخل.
عرف نجاحاتها.
وعرف أزماتها.
وعرف الملفات التي بقيت سنوات طويلة تنتظر من يحركها.
ولهذا فإن تجربته لا تقوم على التنظير...
بل على الممارسة.
وعلى الاحتكاك اليومي بمؤسسات الثقافة، وبالعاملين فيها، وبمشكلات التراث، والنشر، والوثائق، وإدارة المعرفة.
لكنني، وأنا أكتب هذا المقال، لا أريد أن أطرح اسم الدكتور هشام عزمي باعتباره الرجل الذي يملك كل الإجابات.
بل أريد أن أطرح معه مجموعة من الأسئلة.
هل تستطيع وزارة الثقافة أن تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بعقلية الأمس؟
هل يجوز أن تظل ملايين الوثائق والمخطوطات حبيسة المخازن بينما العالم كله يتجه إلى المكتبات الرقمية؟
هل يمكن أن نخاطب جيلاً وُلد بين الهواتف الذكية باللغة نفسها التي خوطب بها جيل الستينيات؟
وهل يكفي أن نحافظ على التراث...
أم يجب أن نجعله حيًا ومتداولًا ومتاحًا لكل إنسان؟
هذه الأسئلة، في تقديري، ستكون على مكتب أي وزير ثقافة قادم.
وأظن أن الدكتور هشام عزمي من القلائل الذين يملكون خبرة حقيقية في التعامل معها.
غير أن وزارة الثقافة لا تُدار بالتكنولوجيا وحدها.
فالرقمنة وسيلة...
وليست غاية.
والملفات الإلكترونية لا تصنع مبدعين.
كما أن المنصات الرقمية لا تكتب رواية، ولا ترسم لوحة، ولا تقدم عرضًا مسرحيًا.
ولهذا، فإن نجاح أي وزير لن يقاس بعدد الأجهزة التي اشتراها.
بل بعدد العقول التي نجح في الوصول إليها.
وبقدرته على تحويل التكنولوجيا إلى جسر يصل بين المبدع والجمهور.
لا إلى حاجز جديد بينهما.
لقد طرحت في هذه السلسلة أسماء كثيرة.
منهم الفنان.
ومنهم الروائي.
ومنهم الناقد.
ومنهم الباحث.
ومنهم رجل الدولة.
واليوم أطرح اسم رجلٍ يرى أن حماية التراث لا تقل أهمية عن إنتاجه.
وأن حفظ الذاكرة الوطنية ليس عملًا إداريًا...
بل رسالة حضارية.
وقد يختلف البعض مع هذا الترشيح.
وهذا حقهم.
لكن ما يصعب إنكاره، أن الدكتور هشام عزمي يمثل مدرسة جديدة في التفكير الثقافي.
مدرسة تؤمن بأن الثقافة التي لا تدخل المستقبل...
قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى مجرد ذكرى من الماضي.
لقد قلت منذ بداية هذه السلسلة إنني لا أبحث عن وزير.
بل أبحث عن مشروع.
ومشروع الدكتور هشام عزمي، كما أراه، لا يبدأ من المسرح، ولا ينتهي عند الكتاب.
بل يبدأ من سؤال بالغ الخطورة:
كيف نحفظ ذاكرة أمة كاملة... في زمن تتغير فيه المعرفة كل دقيقة؟
وربما لهذا السبب، وجدت أن اسمه يستحق أن يكون حاضرًا في هذا الحوار.
ليس لأنه يشبه من سبقوه...
بل لأنه يختلف عنهم.
وفي المقال القادم...
لن أتوقف أمام رجلٍ شغل المناصب، أو أدار المؤسسات، أو ارتبط اسمه بالإدارة الثقافية فقط.
بل أمام مفكرٍ حمل مشروعه في كتبه قبل أن يحمله في أي موقع، ورأى أن الثقافة ليست مجرد نشاط، وإنما بناءٌ للعقل، وصياغةٌ للوعي، وحمايةٌ للهوية.
رجلٍ آمن بأن الكلمة، إذا أحسن صاحبها استخدامها، تستطيع أن تبني أمة كما تستطيع أن تصنع إنسانًا.
فمن يكون هذا الاسم؟
انتظروا المقال السابع عشر من سلسلة:
من يستحق وزارة الثقافة؟
#فرحات_جنيدي













الحماية المدنية تسيطر على حريق مخزن بعزبة الهجانة في مدينة نصر
اليوم.. نظر محاكمة البلوجر هدير عبدالرازق بتهمة غسل الأموال
اليوم.. نظر محاكمة 9 متهمين في قضية خلية المطرية الإرهابية
إحالة المحامية المتهمة بتقطيع جثة والدتها بالإسكندرية إلى الطب النفسي
أسعار الذهب اليوم الجمعة 24-7-2026 فى محلات الصاغة
سعر الدواجن اليوم الخميس في الأسواق
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت
سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في محلات الصاغة..