الثلاثاء 28 يوليو 2026 01:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب: عناء شعب.. وتجاهل مسؤول

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

لم يعد المواطن يطلب المستحيل، ولا يحلم برفاهية غائبة، بل أصبح أقصى طموحه أن يعيش حياة كريمة، وأن يجد خدمة تحترم إنسانيته، ومسؤولًا يشعر بوجعه قبل أن يطالبه بالصبر. لكن المؤلم أن الفجوة بين الشارع وبعض المسؤولين تتسع يومًا بعد يوم، حتى بات المواطن يشعر بأنه يقف وحيدًا في مواجهة أعباء الحياة، بينما يكتفي بعض من يفترض أنهم يحملون همومه بالمشاهدة وإطلاق الوعود.
الأوطان لا تنهض بالخطب الرنانة، ولا بالبيانات المليئة بالإنجازات الورقية، وإنما تنهض عندما يصبح الإنسان هو الأولوية، وعندما يدرك المسؤول أن منصبه ليس وجاهة اجتماعية، بل أمانة ثقيلة سيُسأل عنها أمام الله، ثم أمام التاريخ، ثم أمام الشعب.
المواطن اليوم يخوض معركة قاسية مع الغلاء، وضغوط المعيشة، وتراجع الخدمات، وارتفاع تكاليف الحياة. يستيقظ وهو يحمل هموم يومه، وينام وهو يفكر كيف يوفر احتياجات أسرته في الغد. وفي المقابل، هناك من يجلس في المكاتب المكيفة، لا يرى إلا ما تنقله إليه التقارير المنمقة، ولا يسمع إلا أصوات المصفقين، بينما الحقيقة في الشارع مختلفة تمامًا.
أخطر ما يمكن أن يصيب أي مسؤول هو أن يفقد الإحساس بالناس. فحين يتحول المواطن إلى رقم في تقرير، أو ملف على مكتب، أو شكوى مؤجلة، تكون المسؤولية قد فقدت معناها الحقيقي. فالمنصب لا يمنح صاحبه امتيازات، بل يضاعف حجم واجباته، ويُلزمه بأن يكون أقرب إلى الناس لا أبعد عنهم.
كم من مسؤول يحرص على التقاط الصور أكثر من حرصه على حل المشكلات؟ وكم من مؤتمر عُقد، وكم من تصريحات أُطلقت، بينما بقيت الأزمات كما هي، بل ازدادت تعقيدًا؟ فالناس لا تعيش على الكلمات، ولا تُطعمها الشعارات، ولا تعالجها البيانات الإعلامية، وإنما تنتظر قرارات حقيقية تُترجم إلى واقع يلمسه الجميع.
إن تجاهل معاناة المواطنين ليس مجرد خطأ إداري، بل خطر يهدد الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة. فحين يشعر المواطن بأن صوته لا يصل، وأن شكواه لا تجد من يسمعها، يبدأ الإحباط في التسلل إلى النفوس، وتصبح المسافة بين المسؤول والشارع أكبر من أن تعالجها التصريحات.
المسؤول الحقيقي هو من يترك مكتبه لينزل إلى الناس، يرى بعينيه، ويسمع بصدق، ويتخذ القرار بشجاعة، ويحاسب المقصر مهما كان موقعه. أما من يكتفي بالجلوس خلف الأبواب المغلقة، ويعتبر النقد خصومة، ويبحث عن المديح أكثر من بحثه عن الحلول، فإنه يفقد احترام الناس قبل أن يفقد منصبه.
ويبقى السؤال الذي سيطرحه التاريخ على كل مسؤول: ماذا قدمت لمن وثقوا فيك؟ هل خففت عنهم معاناة؟ هل أنصفت مظلومًا؟ هل فتحت باب أمل لمن ضاقت به الحياة؟ أم اكتفيت بمشاهدة المشهد من بعيد؟
فالمناصب زائلة، والكراسي لا تدوم، أما دعوة مظلوم، أو دمعة فقير، أو حسرة أب عجز عن تلبية احتياجات أسرته، فهي تبقى شاهدة على كل من امتلك القرار، ولم يمتلك الإرادة.

مدحت الشيخ عناء شعب.. وتجاهل مسؤول الجارديان المصريه