الثلاثاء 28 يوليو 2026 01:45 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمدعبدالله القاضى يكتب : حنينُ القلمِ وسيادةُ الحرفِ.. مساراتٌ بين رقة البدايات وصرامة اليقين

الكاتب الصحفي الكبير محمد عبدالله القاضي
الكاتب الصحفي الكبير محمد عبدالله القاضي

​حين أقفُ ككاتبٍ وأديبٍ أمام مرآة الكلمة، أدركُ أنني لا أكتبُ لأُرضي أذواقاً عابرةً، بل لأُسسَ لموقفٍ فكريٍّ وأدبيٍّ يمتدُّ بامتداد التاريخ ويحرسُ ثوابت الوجدان. ومن هنا تتجسد فلسفة الإبداع الحقّة في رحلة صعودٍ واعيةٍ من عتبات الانبهار الأول إلى قمم النضج والوعي العميقة، ميّالاً بطبيعتي إلى فلسفة الكلمة التي تمزج بين عمق المعنى وبراعة السهل الممتنع.
​إن مسيرة الحرف لا تقف بي عند حدود الإعجاب بأسماء لمعت في فضاءات التلقي، بل تتجاوزها لتتأمل الأدوات والمضامين بميزان الدقة والفحص النقدي؛ فالبدايات التي تفتح نافذة العشق للشعر ليست بالضرورة هي ذاتها التي تصنع الهوية الكبرى أو تلبي طموح الأديب حين تتسع مداركه وتتكامل أدواته. وحين ينتسب قلمي إلى جذور الكلاسيكية الشامخة وأساطير النهضة وأعمدة الألفية الثانية، فإنه يعلن انحيازه المطلق للعمق لا للسطح، وللإيقاع الأصيل الذي لا يخضع لفقر القوافي أو محدودية الثيمات.
​من هنا يتأتى ظُلم التشبيه حين يظن كثيرٌ ممن يتذوقون الشعر أو يكتبونه أنهم يسدون إليّ مديحاً رفيعاً حين يشبهونني بنزار قباني أو فاروق جويدة. وفي قرارة نفسي أدركُ تمام الإدراك أنهم ما أنصفوني؛ بل أطمحُ وأطمعُ فيما هو أكبرُ وأعظمُ، لأنني أنتمي إلى شجرةِ الشعرِ الكلاسيكيِّ العريقِ وأرتوي من معينِ عمالقتها الأطهار؛ كأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، وفارسِ الفروسيةِ عنترة، وفصاحةِ الأخطل، وبصيرةِ بشار بن برد، وعمقِ أبي تمام، وحكمةِ الإمام الشافعي، وروحانيةِ وبلاغةِ ابن القيم، وبلاغةِ المتنبي، وعمر بن أبي ربيعة، والبحتري، وعمرو بن كلثوم، وأبي نواس، وغيرهم الكثير ممن سطروا مجد البيان، وصولاً إلى أساطيرِ النهضةِ وصناعِ مجدِ الألفيةِ الثانيةِ؛ فارسِ البَعثِ محمود سامي البارودي، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم. ولإن كان لزاماً عليّ أن أختار شبهاً من المعاصرين، فأفضل أن يُقرن اسمي بإبراهيم ناجي أو كامل الشناوي – رغم اختلاف المدارس – لما تميزوا به من صدق الشعور وشفافية الوجدان؛ بل إنني في وجهة نظري أرى الشاعر المصري الكبير أحمد بخيت أفضل بكثير من الشاعر السوري نزار قباني، لما يتمتع به من جزالة وتأصيل وفصاحة.
​نعم، لقد كان نزار وجويدة هما البدايات التي أشرقت في صغري، وبهم أحببت الشعر، ولهُم كنت منبهراً في سنين التكوين الأولى، غير أنني حين كبرت، ونضجت أفكاري، وتعمقت ثقافتي، اختلف الأمر تماماً، وتغيرت بوصلة الرؤية.نعم فلم أعد أنبهر بالشهرةفالشهرة كثيرا لاترتبط بقيمة حقيقية فى معظم الحالات والأفراد
​فحين أقرأ فاروق جويدة، أرى شاعراً متعدد المواهب، يجمع بين الصحافة والأدب والمسرح، ويسعى للتجدد، لكن أدواته تبدو محدودة في البناء الفني لقصيدته؛ إذ يعمد إلى التخلي عن العمود الشعري والالتزام بقافية موحدة، مع تكرار قوالب موسيقية وقوافي بعينها (مثل الربط المتكرر بين زماني ومكاني)، وهو ما أراه فقراً في القوافي وعجزاً عن استيعاب صرامة الإيقاع الكلاسيكي.
​أما نزار قباني، فمعظم تجاربه تدور في فلك دائرة مغلقة؛ البحر، المطر، السفينة، من واقع تقمصه لروح القبطان، إضافة إلى توظيفه لأسلوب لا يخلو أحياناً من المفردات الجريئة والجنسية التي لو عُرضت على شعراء العصور الكلاسيكية العريقة (كالجاهلي أو العباسي) لتجاهلوها ولأنكرها شعراء ذلك الزمان لتعارضها مع نقاء البيان وسمو الغاية.
​لهذا كله، فأنا أحب التنوع، والتجدد في الأفكار والرؤى، ولا أقف أسيراً عند موضوعات الغزل وحدها، بل أتجاوزها إلى قضايا الأمة، وهموم المجتمع، وقضايا الدين. ويبقى الشعر والأدب، بشقيهما وقوالبهما الفصيحة، سياجاً منيعاً للقيم، ودفاعاً حياً عن الهوية؛ فالتفتُّ بالفطرة والرؤية إلى الفصحى والعمود، جامعاً بين رصانة الإبداع الشعري وشمولية الكتابة الصحفية والأدبية بكل قوالبها، لأظل حراً في محراب الكلمة، وفياً للينابيع الكبرى التي صنعت وعيي وهويتي، وحارساً أميناً لهوية أمةٍ لا تساوم على أصالتها وعمقها الحضاري.

محمدعبدالله القاضى حنينُ القلمِ وسيادةُ الحرفِ.. مساراتٌ بين رقة البدايات وصرامة اليقين الجارديان المصريه