السبت 29 أغسطس 2026 10:19 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة ھدى حجاجي احمد تكتب : حين يصبح الزوج سَجّانًا.. من أعطاه حقَّ قطع رحم زوجته؟

الكاتبة ھدى حجاجي احمد
الكاتبة ھدى حجاجي احمد

حين يتحول الزواج إلى سجنٍ للأرحام

ليست كل القيود تُرى، فبعضها يُفرض باسم الحب، وبعضها باسم الغيرة، وبعضها باسم «أنا زوجك ومن حقي أن أمنعك»، حتى تجد الزوجة نفسها ذات يوم محاصرة بين جدران بيتها، لا تستطيع أن تزور والديها، ولا أن تصل رحمها، ولا أن تسأل عن أخت أو أخ أو قريب، وكأن الزواج قد محا عنها اسمها القديم، وقطع عنها كل الجسور التي سبقت الزوج.

وهنا يجب أن نتوقف.

الزواج ميثاق، وليس سجنًا. والقوامة مسؤولية، وليست سلطة لإذلال الإنسان أو عزله عن أهله.

قال الله تعالى:

«﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾

[محمد: 22-23]»

والآية ليست نصًا عابرًا يُقرأ في المناسبات، بل تحذير شديد من قطع الأرحام والإفساد في الأرض.

ويقول سبحانه:

«﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾

[النساء: 1]»

ويقول جل شأنه:

«﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾

[الرعد: 25]»

فكيف يستقيم أن يطلب الإنسان من زوجته أن تقطع والديها أو إخوتها وأقاربها دون سبب معتبر؟

وكيف يمكن أن يتحول الزواج إلى وسيلة لعقاب الزوجة بمنعها من أمها وأبيها، أو بإغلاق أبواب التواصل بينها وبين أهلها؟

إن كان هناك خلاف حقيقي مع أهل الزوجة، فله أبواب أخرى: الحوار، والحدود، وتقليل الاحتكاك عند الحاجة، وحفظ كرامة الجميع. أما أن يكون الحل هو القطيعة الشاملة، فهذا ليس إصلاحًا، بل هدم لجسور الرحم.

والأشد قسوة أن تُعامل الزوجة أمام أهل زوجها بالتعالي والإهانة، ثم يُطلب منها أن تتحمل كل شيء باسم «الحفاظ على البيت».

أي بيت هذا الذي يُبنى على كسر إنسان؟

وأي مودة تلك التي تحتاج إلى الإذلال حتى تستمر؟

لقد قال الله تعالى:

«﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

[النساء: 19]»

لاحظوا التعبير القرآني: «وعاشروهن بالمعروف».

لم يقل: تحكموا فيهن.

لم يقل: اعزلوهن عن أهلهن.

لم يقل: أذلوهن حتى يطعن.

بل قال: بالمعروف.

والمعروف كلمة واسعة، يدخل فيها الاحترام، والرحمة، وحفظ الكرامة، وعدم التعمد في الإيذاء.

ثم يقول سبحانه:

«﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[الروم: 21]»

مودة ورحمة.

وليس خوفًا ورعبًا وسيطرة.

ليس معنى أن الرجل زوج أن يصبح مالكًا لحياة زوجته ومشاعرها وعلاقاتها الإنسانية. وليس معنى طاعة الزوج أن تُلغى شخصية الزوجة أو تُقطع جذورها أو تُهان كرامتها.

والمرأة أيضًا مطالبة بحفظ بيتها واحترام زوجها، وعدم إدخال الخلافات العائلية إلى حياتها الزوجية، وعدم تحويل أهلها إلى طرف دائم في كل مشكلة. فالحقوق ليست طريقًا باتجاه واحد.

لكن حين لا يكون هناك سبب حقيقي يمنع الزوجة من رؤية والديها، ثم يُفرض عليها الانقطاع، فالأمر يستحق التوقف والمراجعة.

الأب والأم ليسا عابرين في حياة المرأة.

هؤلاء الذين حملوها صغيرًا، وسهروا عليها، وفرحوا بنجاحها، وحزنوا لحزنها، لا ينبغي أن يصبحوا فجأة «غرباء» لأنها تزوجت.

قد تتزوج المرأة رجلًا، لكنها لا تتزوج لتدفن أسرتها.

وقد ينتقل الرجل بزوجته إلى بيت جديد، لكنه لا يملك أن يمحو البيت الذي خرجت منه.

والأخطر من المنع نفسه هو أن يتحول المنع إلى وسيلة للسيطرة النفسية:

«لن تذهبي إلى أهلك.»

«لن تتحدثي مع أختك.»

«لا أريد أن أرى أحدًا منهم.»

«إن ذهبتِ إليهم فأنتِ تخالفينني.»

ثم تبدأ المرأة في الانسحاب شيئًا فشيئًا من عائلتها، حتى تصبح وحيدة، بلا سند اجتماعي، ثم يُطلب منها بعد ذلك أن تكون سعيدة!

العزلة ليست دائمًا حبًا. أحيانًا تكون سيطرة.

والتعالي في المعاملة ليس رجولة.

والصوت المرتفع ليس هيبة.

والإهانة ليست تربية.

والتحكم ليس قوامة.

والزوج الذي يريد لزوجته أن تحترمه، عليه أولًا أن يمنحها سببًا حقيقيًا لهذا الاحترام.

كما أن الزوجة التي تطالب بحقها في صلة رحمها عليها أن تحافظ على حدود بيتها، وألا تسمح لأهلها بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة بينهما.

الحياة الزوجية تحتاج إلى حدود عادلة، لا إلى جدران عازلة.

إن كان قريبٌ يؤذي الزوجة أو يسيء إلى الزوج أو يتعمد تخريب البيت، فهنا من حق الأسرة أن تضع حدودًا واضحة. لكن هناك فرق شاسع بين وضع الحدود وبين فرض القطيعة.

فالحدود تحمي العلاقات.

أما القطيعة فتقتلها.

وليت كل زوج قبل أن يمنع زوجته من أهلها يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:

لو كانت أمي هي التي مُنعت من زيارة أهلها، هل كنت سأقبل؟

ولو كانت أختي هي التي تُعامل بهذه الطريقة، هل كنت سأصف الأمر بأنه «حق الزوج»؟

ولو كانت ابنتي بعد سنوات في بيت زوجها، هل سأرضى أن تُمنع من أبيها وأمها بلا سبب؟

أحيانًا لا نحتاج إلى فتاوى طويلة حتى نعرف أننا ظلمنا إنسانًا؛ يكفي أن نضع أنفسنا مكانه.

إن الزواج الحقيقي لا يقطع الأرحام، بل يوسع دائرة المودة.

والرجل الكريم لا يخاف من أم زوجته ولا من أبيها، بل يعرف أن احترامهما من احترام المرأة التي اختارها شريكة لحياته.

والمرأة العاقلة لا تجعل أهلها سلاحًا ضد زوجها، كما أن الرجل العاقل لا يجعل زوجته رهينة لخلافاته مع أهلها.

لا تجعلوا البيوت مقابر للأرحام.

فكم من أم ماتت وفي قلبها غصة لأنها لم تر ابنتها.

وكم من أب عاش سنوات ينتظر زيارة ابنته.

وكم من أخت انقطعت عنها أختها بسبب مشكلة لم تكن طرفًا فيها.

وكم من زوجة بكت في صمت لأنها وجدت نفسها مطالبة بالاختيار بين زوجها وبين والديها.

الحياة أقصر من أن نُبددها في معارك السيطرة.

والأرحام ليست أوراقًا نقطعها كلما غضبنا.

قال رسول الله ﷺ:

«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».

فصلوا أرحامكم ما استطعتم، واحفظوا كرامة زوجاتكم، وارحموا ضعف بعضكم، ولا تجعلوا الخلافات الزوجية سببًا في هدم علاقات خلقها الله قبل أن نعرف نحن معنى كلمة «زواج».

فالبيت الذي يحمي الحب ويصون الكرامة ويترك للإنسان حقه في جذوره، بيتٌ قابل للحياة.

أما البيت الذي يقوم على الخوف والعزل والإهانة وقطع الأرحام، فقد يبدو من الخارج مستقرًا...

لكن داخله قد يكون قد مات منذ زمن.

الكاتبة ھدى حجاجي احمد حين يصبح الزوج سَجّانًا.. من أعطاه حقَّ قطع رحم زوجته؟ الجارديان المصريه