الجمعة 11 سبتمبر 2026 03:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: الدول لا تموت برحيل الحاكم

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

فى الدول التي تعرف معنى الدولة لا يتوقف المستقبل على أسم الحاكم ولا تتعطل المشروعات انتظارا لنتائج الانتخابات ولا تهتز الاستثمارات لآن رئيسا سيرحل ويأتى أخر مكانه .الرئيس فى هذه الدول موظف عام يأتي وفق الدستور ويرحل وفق الدستور بينما تبقى الدولة و تستمر المؤسسات وتحكم القوانين الجميع .. هذه الفكرة التي بجب أن نتوقف أمامها طويلا
عندما تستثمر السعودية مليارات اليورو فى فرنسا فهي لا تستثمر فى جيب رئيس ولا تراهن على بقاء ماكرون فى السلطة ولا تنتظر حتى تعرف الرئيس القادم أنها تتعامل مع فرنسا الدولة مع اقتصاد ومؤسسات وقوانين ودستور , وتعرف أن الرئيس يتغير بينما الدولة لا تتغير وهنا يكمن الفارق بين الدولة التى صنعت الحضارة الحديثة والدول التى مازالت تربط مصيرها بأشخاص .. فى الدولة الحقيقية لا يكون نجاح مصنع جديد إنجازا شخصيا للحاكم ولا تتحول كل طريق أو مدرسة أو مستشفى الى لوحة دعائية تمجد المسؤول لأن هذه الاموال ليست ملكا للحاكم بل هى اموال الشعب وهذه المشروعات ليست هدايا بل واجبات دولة .
الحاكم الناجح لا يبحث عن التصفيق بل يبحث عن الأثر . لايسأل كم صورة علقتها فى الشوارع؟ بل يسأل كم فرصة عمل خلقتها؟ كم مصنعا يعمل ؟ كم شابا وجد مستقبله؟ كم أسرة خرجت من دائرة الفقر .كم مريضا وجد علاجا ؟ كم مدرسة أصبحت قادرة على صناعة انسان حقيقى؟ أعظم انجاز سياسى واقتصادى لآى حكومة هو أن تخلق عملا حقيقيا ومستداما لمواطنيها . فالوظيفة ليست مجرد راتب أخر الشهر بل كرامة واستقرار وأمل وأسرة مستقرة وقدرة على الحياة .أما الاقتصاد الذى يحقق أرقاما ضخمة على الورق بينما يعانى المواطن من البطالة والفقر وارتفاع الأسعار فهو اقتصاد يحتاج الى مراجعة عميقة فى طريقة توزيع ثمار التنمية .لدينا موارد وايرادات بالمليارات : تحويلات المصريين فى الخارج والصادرات والسياحة وقناة السويس واحتياطى نقدى كبير لكن السؤال الذى يجب أن يطرح بلا خوف هو : اين يذهب كل هذا ؟ لماذا لا يشعر المواطن العادى بتحسن يتناسب مع حجم هذه الموارد؟
ليست المشكلة دائما فى قلة المال وإنما احيانا فى سوء الادارة وفى ترتيب الاولويات وفى غياب الادارة وغياب الرؤية التى تضع الانسان قبل المبانى والانتاج قبل المظاهر والعمل قبل الاحتفالات
الدولة القوية لا تخاف من رحيل مسؤول لان لديها الف مسؤول قادر على استكمال الطريق لا ترتبط بمزاج شخصى ولا تتوقف حياتها اذا غاب رجل واحد فيها , مؤسسات تعرف واجابتها وقوانين تحكم الجميع ودستور لا يتم تفصيله على مقاس الاشخاص
الدول التى تتقدم لا تصنع اصناما سياسية بل تصنع مؤسسات قوية .. الحاكم يرحل , الوزير يتغير , الحكومة تستقيل والرئيس تنتهى مدته,, لكن المدرسة تفتح ابوابها والمصنع يستمر فى الانتاج والقضاء يعمل والاقتصاد يتحرك والاستثمارات تبقى هذه هى الدول التى تستحق الاحترام , ان اخطر ما يمكن ان يحدث لأى وطن هو ان يصبح مصيره مرتبطا بشخص وان يتحول نقد المسؤول الى خيانة وسؤاله الى مؤامرة ومحاسبته جريمة . فالأوطان أكبر من الحكام والشعوب ابقى من الحكومات والتاريخ لا يحترم من جمع المصفقين حوله وإنما يحترم من ترك خلفه مؤسسات قوية وشعبا أكثر قدرة على الحياة .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة الدول لا تموت برحيل الحاكم الجارديان المصريه