الأربعاء 28 أكتوبر 2026 01:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: محاكم التفتيش قديماً وحديثاً... إسرائيل وأمريكا في مواجهة حرية الشعوب وأصحاب الرأي

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

كانت محاكم التفتيش في العصور القديمة إحدى أبشع أدوات القمع التي عرفتها البشرية، فقد استخدمتها السلطات الدينية والسياسية لمطاردة أصحاب العقائد والأفكار المختلفة، وفرض رؤية واحدة على الجميع، وتحويل الاختلاف إلى جريمة، والاعتراض إلى تهمة تستوجب العقاب. كان الإنسان يُحاكم على ما يؤمن به، وعلى ما يفكر فيه، وعلى ما يقوله، لا على جريمة ارتكبها أو اعتداء قام به. وربما كان أكثر ما يميز تلك المحاكم أنها لم تكن تبحث عن الحقيقة بقدر ما كانت تبحث عن إخضاع البشر وإرهابهم وإجبارهم على الصمت.
وعندما ننظر إلى عالمنا اليوم، نجد أن محاكم التفتيش لم تختفِ تماماً، وإنما تغيرت أشكالها وأدواتها، وانتقلت من ساحات التعذيب التقليدية إلى ساحات السياسة والإعلام والجامعات ومؤسسات الدولة، وأصبحت بعض القوى الكبرى تتعامل مع حرية الشعوب وحقها في الاختلاف وكأنهما تهديد مباشر لمصالحها ونفوذها.
وتأتي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة المشهد الذي يطرح تساؤلات خطيرة حول ازدواجية المعايير، وحقيقة الشعارات التي ترفعها القوى الغربية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.
فإسرائيل التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها دولة ديمقراطية، تمارس سياسات قمعية واسعة بحق الفلسطينيين، لا تقتصر على الاحتلال العسكري ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات، بل تمتد إلى التضييق على الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن الحقوق الفلسطينية، ومحاولة إسكات الأصوات التي تكشف ما يجري على الأرض. وفي الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، يعيش الفلسطينيون تحت وطأة منظومة من القيود العسكرية والأمنية، بينما تتواصل عمليات الاستيطان والتهجير والعقاب الجماعي، في مشهد يكشف الفجوة الهائلة بين الخطاب الإسرائيلي والممارسة الفعلية.
ولم يعد القمع الإسرائيلي موجهاً إلى الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال أو يعارض سياساته فحسب، بل أصبح يمتد إلى كل من يحاول كشف الانتهاكات أو التضامن مع الضحايا. فالصحفي الذي ينقل صورة المعاناة قد يصبح هدفاً للتهديد أو الاعتقال، والناشط الذي يرفع صوته احتجاجاً على الاحتلال قد يجد نفسه متهماً بمعاداة إسرائيل، والطالب الذي يرفض الحرب ويطالب بوقف قتل المدنيين قد يتعرض لحملات تشويه وضغوط وملاحقات.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حارسة الديمقراطية في العالم، فقد كشفت أحداث السنوات الأخيرة عن تناقضات عميقة في تعاملها مع حرية التعبير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والقضية الفلسطينية.
لقد شهدت الجامعات الأمريكية احتجاجات طلابية واسعة ضد الحرب على غزة، شارك فيها طلاب وأساتذة ومثقفون يطالبون بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية المدنيين. لكن بدلاً من أن تتعامل بعض المؤسسات الجامعية والسياسية مع هذه الاحتجاجات باعتبارها ممارسة لحق دستوري أصيل، شهدت الجامعات حملات تأديبية واعتقالات وتفريقاً للاعتصامات، وضغوطاً على الطلاب والأساتذة، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديد الطلاب الدوليين بمستقبلهم الدراسي أو وضعهم القانوني بسبب نشاطهم السياسي.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن لدولة تتحدث ليل نهار عن حرية التعبير أن تتعامل بهذه القسوة مع أصوات ترفض الحرب وتطالب بحقوق الفلسطينيين؟ وكيف يمكن أن تكون حرية الاحتجاج مقدسة عندما تخدم التوجهات السياسية الأمريكية، ثم تتحول إلى مشكلة أمنية عندما تتعارض مع مصالح حليف قوي مثل إسرائيل؟
إن المشكلة ليست في محاسبة أي شخص يرتكب اعتداءً أو يحرض على الكراهية، فذلك أمر يجب أن يخضع للقانون، ولكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تختلط معارضة سياسات حكومة إسرائيل بمعاداة اليهود، وعندما تستخدم اتهامات خطيرة لإسكات الانتقاد السياسي المشروع. فهناك فرق واضح بين العداء الديني أو العنصري وبين انتقاد الاحتلال والاستيطان والحرب وسياسات الحكومة الإسرائيلية، والخلط المتعمد بين الأمرين يمثل اعتداءً على حرية النقاش العام.
ولا تتوقف محاكم التفتيش الحديثة عند حدود الجامعات الأمريكية، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والسياسية ومراكز التأثير وصناعة الرأي العام. فهناك ضغوط على صحفيين ومؤسسات إعلامية بسبب طريقة تناولهم للحرب، وحملات تشويه ضد شخصيات عامة تتبنى مواقف ناقدة لإسرائيل، ومحاولات لتصنيف الأصوات المعارضة وفق معايير سياسية لا علاقة لها بالموضوعية أو حرية الفكر.
والأكثر خطورة أن الولايات المتحدة لا تكتفي أحياناً بممارسة الضغوط داخل حدودها، بل تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً يجعلها قادرة على التأثير في سياسات دول أخرى، وتحديد من تعتبره صديقاً ومن تصنفه خصماً، ومن تمنحه الدعم ومن تفرض عليه العقوبات. وهكذا تتحول شعارات الحرية وحقوق الإنسان في بعض الأحيان إلى أدوات انتقائية، تُستخدم ضد الخصوم وتُغض الطرف عنها عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.
إننا أمام صورة جديدة من صور محاكم التفتيش، لا يُسأل فيها الإنسان عن عقيدته الدينية فقط، بل عن موقفه السياسي، وعن رأيه في الحروب، وعن مدى توافق أفكاره مع الرواية التي تريد القوى النافذة فرضها. وقد يجد نفسه متهمًا لمجرد أنه يرفض ازدواجية المعايير، أو يطالب بمحاسبة إسرائيل، أو يرفض استمرار الدعم العسكري الأمريكي لحرب تحصد أرواح المدنيين.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام سؤال جوهري: من الذي يملك حق تحديد الحقيقة؟ هل هي الحكومات القوية التي تمتلك السلاح والنفوذ والإعلام، أم الشعوب التي تملك حق السؤال والاعتراض والمطالبة بالعدالة؟
إن ما يجري يكشف أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الانتخابات وحدها، ولا بالشعارات التي ترفعها الحكومات في المحافل الدولية، وإنما بمدى احترامها لحقوق المختلفين معها، وقدرتها على حماية المعارضين، وقبولها أن ينتقد المواطن سياسات دولته وحلفائها دون أن يصبح هدفاً للترهيب أو الانتقام.
ولا يمكن تجاهل أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا كياناً واحداً، ولا أن كل مؤسساتهما تتبنى الموقف نفسه؛ ففي داخلهما أصوات حقوقية وإعلامية وسياسية وطلابية ترفض القمع وتنتقد الاحتلال والحرب وتدافع عن الحقوق الفلسطينية. لكن وجود هذه الأصوات لا يلغي مسؤولية الحكومات والمؤسسات التي تستخدم سلطاتها لتقييد الاحتجاج أو تبرير الانتهاكات.
إن محاكم التفتيش القديمة كانت تحرق الكتب وتطارد المفكرين وتنتزع الاعترافات تحت التعذيب، أما محاكم التفتيش الحديثة فقد تستخدم المنع من العمل، والحرمان من الدراسة، والاعتقال، والتشهير، والتهديد، والضغط الاقتصادي والسياسي، والتضييق على المنصات الإعلامية. تغيرت الوسائل، لكن الخطر واحد: تحويل الخوف إلى وسيلة لإدارة المجتمعات والسيطرة على العقول.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً أمام العالم: كيف يمكن أن نتحدث عن نظام دولي قائم على القانون والعدالة، بينما تُمنح دولة مثل إسرائيل حصانة سياسية واسعة من المحاسبة، وتستمر الولايات المتحدة في توفير الدعم العسكري والسياسي لها، في الوقت الذي تتعرض فيه أصوات كثيرة داخل المجتمعات الغربية نفسها للضغوط بسبب مطالبتها بوقف الحرب واحترام حقوق الفلسطينيين؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبشرية هو أن تصبح الحرية امتيازاً تمنحه القوى الكبرى لمن تشاء، وتسحبه ممن تشاء، وأن يصبح القانون سلاحاً في يد الأقوياء بدلاً من أن يكون حماية للضعفاء.
لقد سقطت محاكم التفتيش القديمة، لكنها تركت وراءها درساً لا ينبغي نسيانه: لا توجد سلطة تملك الحقيقة المطلقة، ولا توجد دولة فوق المساءلة، ولا يمكن بناء مستقبل إنساني عادل على القمع والخوف وإسكات الأصوات.
فإذا كانت محاكم التفتيش قديماً تحاكم الإنسان لأنه اختلف في عقيدته، فإن محاكم التفتيش الحديثة تحاول محاكمته لأنه اختلف في موقفه السياسي. وإذا كان الجلاد قديماً يحمل سوطاً، فإن جلاد اليوم قد يحمل قرار فصل أو أمر اعتقال أو حملة تشويه إعلامية.
وهكذا يبدو أن العالم لم يتخلص من محاكم التفتيش، بل منحها وجوهاً جديدة وأدوات أكثر تطوراً. ويبقى السؤال: متى تتوقف القوى التي تتغنى بالحرية عن ممارسة القمع عندما تكون الحقيقة ضد مصالحها؟ ومتى تصبح حقوق الإنسان حقاً للجميع، لا شعاراً سياسياً تستخدمه الدول الكبرى وقتما تشاء وتتجاهله وقتما تشاء؟
إن الحرية لا تتجزأ، والعدالة لا تعرف الحليف والخصم، وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.

حسين السمنودى محاكم التفتيش قديماً وحديثاً إسرائيل وأمريكا في مواجهة حرية الشعوب وأصحاب الرأي الجارديان المصرية ⇧