الخميس 30 أبريل 2026 07:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

صبري الموجي يكتب : اللواء طارق الموجي .. والعصا السحرية ! :

الكاتب الكبير صبرى الموجى
الكاتب الكبير صبرى الموجى

لم أفكرْ مرة في الحديث عنه أثناء وجوده بين ظهرانينا، وما صاحبه من قوة نفوذه، وسطوعِ نجمه؛ حفاظا علي حساسية مركزه من جهة، وأيضا وهو الأهم صونا لكرامتي لكيلا يُقال إن تقربي إليه، وحديثي عنه رغم ما يجمعُنا من قربي ورحم هو من قبيل التزلف، أو رغبة في تحقيق غرض دنيوي أو مصلحة شخصية.

أما وإنه قد أفضي إلي ربٍ عالمٍ بالسرائر، فحريٌ بي - وأنا أسطرُ مناقبَ من كان لهم علي قريتنا يد - أن أسوق للقارئ بعضا من مناقب ذلك الرجل، التي لا يعرفُها إلا من خالطه أو عامله من قرب.

لم يكن عملُ اللواء طارق الموجي - طيب الله ثراه - بجهاز الأمن الوطني، ووصوله فيه إلي أعلي المناصب القيادية مجرد خبط عشاء، أو أنه جاء لمجرد وجود (واسطة) سهلت له هذا الطريق، وأزالت أمامه العقبات، بل كان مرجعُه إلي ما حباه الله به من قدرات عقلية، وذكاء خارق، وإصغاء للمتكلم، مكنه علي الدوام من تحليل شخصية المتكلم، ومعرفةِ مدي صدقه أو كذبه، وحقا : ( المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه).

عُرف الفقيدُ بنبوغه العقلي، وهو ما أهله للالتحاق بكلية الهندسة، التي كانت وما زالت إحدي كليات القمة، وبعد انتظامه في الدراسة، أغرت نباهتُه خاله اللواء عبد الرحيم النحاس، فأشار علي والده بنقله إلي كلية الشرطة؛ ليُستفاد من عقليته الفذّة، فاستجاب والده لرغبة خاله؛ طمعا - كشأن كل أب - في أن يري ابنه الوحيد أفضل إنسان في الدنيا.
أنهي الطالبُ سنوات دراسته بتفوقٍ، لازمه حسنُ خلق، وإشادةٌ بحُسن سيره وسلوكه، والسرُ في ذلك، يرجع إلي نشأته في بيتِ رائدٍ من رواد التربية والتعليم، وهو المغفور له بإذن الله الحاج سعد الدين الموجي أمين عام جامعة المنوفية سابقا برعاية أمٍ حسيبةٍ نسيبة، تضرب بجذورها في الشرف والسؤدد، تنتمي لأسرة النحاس باشا - كما أخبرنا آباؤنا - رحمهم الله .

وبعيدا عن حياته العملية التي حاز فيها علي قصب السبق، وكان حديث القاصي والداني، نطوي هذه الصفحة لنتحدث عن صفاته الخُلقية وهو ما يهمُ القارئ.

أقول عُرف الفقيد أيضا ببشاشة الوجه، وحفاوة استقباله لضيوفه، سواء كانوا من عائلته أو من خارج العائلة، فلم أعرف - رغم كثرة مهامه - أنه أغلقَ باب بيته أو مكتبه في وجه وافد، أو أنه أدار وجهه عن صاحب مسألة .

لم تكنْ في يدِ الرجل عصا سحرية، كما ظن الناس، بل كان رغم قوته بَشرا، ينجح ويخفق، ولكنَّ ذوي المطالب لا يرحمون، إذ كانوا يتسمون بالرعونة، وكثيرا ما كانوا يكفرون العشير، وينظرون إلي نصف الكوب الفارغ، وهذا ما أثار حوله اللغط، فإذا لبي للسائلين تسعة مطالب من عشرة، وقف المطلبُ العاشر غٌصة في حلق صاحبه، وانبري في العالمين، يتهمُ الرجل بأنه غير خدوم ، وهذا - للأسف - ديدنُ الناس علي طول الخط، وقليلٌ من عبادي الشكور !
امتاز الرجلُ إلي جانب هذا بسخاءٍ فياض، عرفه كلُ من نزل عليه ضيفا في بيته، إذ سرعان ما تُبسطُ له الفُرش، وتُصفُ من أجله النمارق، ويُقدمُ له أفضلُ الطعام، بل والأعجب أن الفقيد كان يُطعم ضيوفه بيده، ويتبسطُ معهم في الحديث كنوع من القِري، فلا يظنه الرائي أبدا نفسَ الشخص الذي تشيبُ له رؤوس العاملين معه، لكنه كان وربي (هو هو)، إلا أنه أصَّل لشعار : ( لكل حدثٍ حديث، ولكل مقامٍ مقال ).
لم تطغَ خلفيةُ الفقيد المهنية علي سلوكياته المُكتسبة لنشأته في بيت واحدٍ من أساطين التربية، فعرف ببشاشة الوجه، ودماثة الخلق، وعدم الثرثرة، إذ كان لا يتكلم إلا فيما يُفيد، أما فضول الكلام، فكان يمقتُه، وجعل بينه وبين ذلك النوع من الكلام حجابا .
في فترة خدمته كانت قريتنا في مَنعة من بطش الباطشين، إذ كان الكلُ يعمل لوجوده ألف حساب، فما نُكل يوما بأحد، أو لحق الظلمُ بمظلوم.
وحتي يبقي له أثرٌ، ساهم قبيل وفاته بقليل في بناء مسجد جامع، تقام فيه الصلوات المكتوبة، ويُذكرُ فيه اسمُ الله، ولم يبخل علي إنشائه بجهد أو مال، إذ أزاح في طريق إنشائه كل العقبات، وأنفق من ماله الكثير .. رحم الله الفقيد، وأجزل له المثوبة علي ما قدم من خير .