الخميس 1 يناير 2026 11:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول…( الشرق الأوسط الجديد بين تحولات القوة الإقليمية والدولية )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

منذ أن ظهر مصطلح الشرق الأوسط سياسياً في كتاب بيريز، و المنطقة في حالة تحول و تغير مستمرة لِارتباطها بتحولات القوة الإقليمية و الدولية .. فهي من أكثر المناطق في العالم أهمية من الناحية الجيوسياسية و الاقتصادية والأمنية لكل الدول الطامحة للسيطرة على بناء القوة إقليمياً و دولياً .. و كما يُقال : من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على النظام الدولي و يتحكم في قراراته ..

تاريخياً ، كانت المنطقة موضع صراع و حرب فعلية و باردة بين القوتين عالمياً : الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي ، و بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، سيطرت الولايات المتحدة كقوة مهيمنة أحادية ، و اليوم ، و مع تحولات القوة و صعود الصين و روسيا ، بدأت تبرز ملامح مرحلة جديدة من الصراع على المنطقة ..

و من المتغيرات المهمة التي تشهدها المنطقة زيادة دور دول المنطقة و فاعليتها و تنامي قوتها كقوى قادرة على ملء فراغ القوة و بناء تحالفات إقليمية تراعى مصالحها .. و هنا نرى دور مصر و السعودية و الإمارات و غيرها من دول المنطقة ، و محاولات استعادة دور دول مهمة كالعراق و سوريا ..

و لعل من أهم التحولات و التغيرات التي شهدتها المنطقة حرب غزة ، و التي تجاوزت في تداعياتها حدودها الجغرافية الضيقة ، لتصل إلى تغييرات إقليمية و دولية و ظهور فواعل جديدة كالحركات الشبابية و الطلابية في دول مهمة كأميركا و أوروبا ، و تراجع في الدور الإسرائيلي و بداية مرحلة الانتقاد لسياسات إسرائيل و حرب الإبادة التي مارستها و ما زالت ، و استعادة الحديث عن إحياء ملف القضية الفلسطينية و قيام الدولة الفلسطينية التي تعتبر أحد الأسس الجديدة للشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إليه أميركا و غيرها من الدول الإقليمية ..

فالشرق الأوسط إقليم تتحكم فيه العديد من الدول .. أولاً: أميركا ، و كما دعا الباحثان في مجلة الفورين أفيرز ، ولي نصر و ماريا فانتا ، إلى استراتيجية أميركية تقوم على ثلاثة أمور : هى معاهدة دفاع مشترك مع السعودية ، و وقف الحرب في غزة و إقامة الدولة الفلسطينية ، و ترتيب إقليمي يسمح لأميركا بالتركيز على آسيا و أوروبا لمواجهة الصين و روسيا ..

و اليوم، أميركا أكثر نقاشاً في قضايا المنطقة و أزماتها في سوريا و العراق و إيران و لبنان ، و سعيها لبناء سلام شامل بين دول المنطقة و إسرائيل .. و تتبنى مقاربة تقوم ، بالرغم من عدم التخلي عن المنطقة ، على إعطاء دور أكبر للقوى الفاعلة و بناء تحالفات استراتيجية معها كالسعودية و مصر و الإمارات و توسيعها لتشمل إسرائيل .. و كما أشار السيناتور الجمهوري جيم ريشي ، مع تغير الشرق الأوسط بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية ، ستكون السعودية قائداً مهماً في العديد من الملفات ..

و عموماً ، الموقف الأميركي تحكمه أمن و بقاء إسرائيل ، فأي شرق أوسط جديد يُفترض أن يقوم على التطبيع الكامل و غلق ملف القضية الفلسطينية نهائياً ، و أن يكون لإسرائيل دور محوري في أي تحالف إقليمي جديد ..

و كما جاء في وثيقة الأمن القومي الأميركية الجديدة ، أن الشرق الأوسط ظل على مدار نصف قرن في مقدمة أولويات الولايات المتحدةلأهميتها كمصدر للطاقة و مسرحاً للحرب الباردة ، و مصدراً لصراعات كان يمكن أن تمتد دولياً .. و كما أشارت الوثيقة ، لم تعد المنطقة مصدراً للطاقة ، و تحوّل المنافسة إلى منافسة بين القوى الكبرى ، و هو ما يعني أن تحتفظ عن أفضل موقع ممكن آخر ، و أن الصراع بات أقل تعقيداً الآن .. و هناك توافق ملموس على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، و هناك تحول إيجابي في سوريا ، و وفقاً للوثيقة ، سيتحول الشرق الأوسط لمنطقة جذب للاستثمار ، و أن شركاء الشرق الأوسط يُبدون إلتزاماً أكبر ضد التطرف ..

هذا ، و حددت الوثيقة مجموعة من المصالح أهمها : عدم وقوع إمدادات النفط في يد الخصوم ، حماية حرية الملاحة في المنطقة ، و ضمان أمن إسرائيل ، و عدم تحول المنطقة إلى منصة تهديد ، و توسيع الاتفاقات الإبراهيمية .. و أهم ما أشارت إليه أن الأيام التي كان الشرق الأوسط يهيمن فيها على السياسة الخارجية الأميركية قد ولّت ، ليس لأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً ، بل لأنه لم يعد مصدراً للمنغصات أو سبباً محتملاً لكارثة ..

و حسب قول إحسان الخطيب ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مُراي ستيت ، أن جوهر المقاربة الأميركية يقوم على تشابك اقتصادي أوسع يقوم على المنفعة المتبادلة ، و أن الاستراتيجية تضمن اعترافاً أن الإدارات السابقة أخطأت حين لم تُبدِ احتراماً كافياً للثقافة المحلية ، و أن المنطقة أصبحت أكثر استقراراً بعد حرب إيران ..

و الفاعل الثاني الذي يرى في المنطقة أهمية استراتيجية هي الصين ، ببناء شراكات استراتيجية و اقتصادية مع دول المنطقة و تقديم نفسها ليس بديلاً عن الولايات المتحدة ، بقدر أنها قوة عالمية صاعدة و أنه لا غنى عنها في موازنة قوة و مصالح دول المنطقة في مواجهة أحادية القوة الأميركية .. لا شك نجحت في بناء شراكات استراتيجية مهمة مع أكثر من دولة من دول المنطقة ، و خصوصاً دول الخليج العربي ، و بناء علاقات مع إيران كقوة إقليمية منافسة و داعمة للدور الصيني ..

و إلى جانب الصين هناك الدور الروسي و تثبيت مصالحه و وجوده بعلاقاته مع إيران و علاقاته التقليدية مع أكثر من دولة من دول المنطقة ، و بناء شبكة علاقات جديدة تقوم على أسس جديدة من المصالح المتبادلة .. و رأينا نماذج من هذه العلاقات مع الإمارات و الدور الذي قامت به الإمارات في تبادل الأسرى بين روسيا و أوكرانيا ..

و لعل الإشكالية الكبرى في عقدة الشرق الأوسط هي إسرائيل ، التي تريد شرق أوسط جديداً أولاً بدون فلسطين ، كما عبَّر عن ذلك نتنياهو في خرائطه التي عرضها من على منبر الأمم المتحدة ؛ شرق أوسط تكون فيه إسرائيل الدولة الأحادية ، و الحيلولة دون وجود أي قوة من قلب المنطقة أو دولة إقليمية كإيران أو تركيا تملك سلاحاً نووياً أو سلاحاً يغير موازين القوة لغير صالحها ؛ شرق أوسط تفرض فيه إسرائيل سلامها القائم على القوة و التفوق العسكري ؛ شرق أوسط تحكم خريطته أمنها و بقاءها دونما أي اعتبار لأمن الدول الأخرى ، و تكون فيه إسرائيل الدولة المتفوقة عسكرياً و تكنولوجياً ..

و هذه الرؤية الأحادية تتعارض مع مصالح و أمن الدول الأخرى ، و هي أقرب إلى الخيال السياسي منها لواقع القوة و لتحولاتها التي شهدتها المنطقة .. فلم تعد دول المنطقة دولاً تابعة و لا فاقدة للقوة ، فاليوم نجد تحولات في فاعلية و قوة دول المنطقة القادرة على تشكيل تحالف إقليمي منها ، و قادرة على ملء أي فراغ للقوة .. أضف إلى ذلك ، اليوم الدول العربية لديها شراكات استراتيجية شاملة و متنوعة و تمتد علاقاتها لتغطي كل الخارطة الكونية .. و الأهم في الفاعل العربي امتلاكه لعناصر القوة الشاملة ، و خصوصاً القوة الناعمة كبروز دور أكبر لدول الخليج العربي ، و تطورت علاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة ذاتها كما نرى مع الإمارات و السعودية و قطر ومصر ..

و يبقى السؤال الرئيس هنا : بالنسبة إلى من يملك الحق في إعادة بناء خارطة المنطقة ، هل هي دول المنطقة؟ أم الدول الإقليمية؟ أم الولايات المتحدة؟ و ما دور الصين و روسيا و أوروبا؟ و هذا هو السؤال الذي يواجه الدول العربية و حفاظها على خارطتها و أمنها العربي .

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول…( الشرق الأوسط الجديد بين تحولات القوة الإقليمية والدولية ) الجارديان المصرية