خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول…( الشرق الأوسط الجديد بين تحولات القوة الإقليمية والدولية )
منذ أن ظهر مصطلح الشرق الأوسط سياسياً في كتاب بيريز، و المنطقة في حالة تحول و تغير مستمرة لِارتباطها بتحولات القوة الإقليمية و الدولية .. فهي من أكثر المناطق في العالم أهمية من الناحية الجيوسياسية و الاقتصادية والأمنية لكل الدول الطامحة للسيطرة على بناء القوة إقليمياً و دولياً .. و كما يُقال : من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على النظام الدولي و يتحكم في قراراته ..
تاريخياً ، كانت المنطقة موضع صراع و حرب فعلية و باردة بين القوتين عالمياً : الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي ، و بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، سيطرت الولايات المتحدة كقوة مهيمنة أحادية ، و اليوم ، و مع تحولات القوة و صعود الصين و روسيا ، بدأت تبرز ملامح مرحلة جديدة من الصراع على المنطقة ..
و من المتغيرات المهمة التي تشهدها المنطقة زيادة دور دول المنطقة و فاعليتها و تنامي قوتها كقوى قادرة على ملء فراغ القوة و بناء تحالفات إقليمية تراعى مصالحها .. و هنا نرى دور مصر و السعودية و الإمارات و غيرها من دول المنطقة ، و محاولات استعادة دور دول مهمة كالعراق و سوريا ..
و لعل من أهم التحولات و التغيرات التي شهدتها المنطقة حرب غزة ، و التي تجاوزت في تداعياتها حدودها الجغرافية الضيقة ، لتصل إلى تغييرات إقليمية و دولية و ظهور فواعل جديدة كالحركات الشبابية و الطلابية في دول مهمة كأميركا و أوروبا ، و تراجع في الدور الإسرائيلي و بداية مرحلة الانتقاد لسياسات إسرائيل و حرب الإبادة التي مارستها و ما زالت ، و استعادة الحديث عن إحياء ملف القضية الفلسطينية و قيام الدولة الفلسطينية التي تعتبر أحد الأسس الجديدة للشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إليه أميركا و غيرها من الدول الإقليمية ..
فالشرق الأوسط إقليم تتحكم فيه العديد من الدول .. أولاً: أميركا ، و كما دعا الباحثان في مجلة الفورين أفيرز ، ولي نصر و ماريا فانتا ، إلى استراتيجية أميركية تقوم على ثلاثة أمور : هى معاهدة دفاع مشترك مع السعودية ، و وقف الحرب في غزة و إقامة الدولة الفلسطينية ، و ترتيب إقليمي يسمح لأميركا بالتركيز على آسيا و أوروبا لمواجهة الصين و روسيا ..
و اليوم، أميركا أكثر نقاشاً في قضايا المنطقة و أزماتها في سوريا و العراق و إيران و لبنان ، و سعيها لبناء سلام شامل بين دول المنطقة و إسرائيل .. و تتبنى مقاربة تقوم ، بالرغم من عدم التخلي عن المنطقة ، على إعطاء دور أكبر للقوى الفاعلة و بناء تحالفات استراتيجية معها كالسعودية و مصر و الإمارات و توسيعها لتشمل إسرائيل .. و كما أشار السيناتور الجمهوري جيم ريشي ، مع تغير الشرق الأوسط بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية ، ستكون السعودية قائداً مهماً في العديد من الملفات ..
و عموماً ، الموقف الأميركي تحكمه أمن و بقاء إسرائيل ، فأي شرق أوسط جديد يُفترض أن يقوم على التطبيع الكامل و غلق ملف القضية الفلسطينية نهائياً ، و أن يكون لإسرائيل دور محوري في أي تحالف إقليمي جديد ..
و كما جاء في وثيقة الأمن القومي الأميركية الجديدة ، أن الشرق الأوسط ظل على مدار نصف قرن في مقدمة أولويات الولايات المتحدةلأهميتها كمصدر للطاقة و مسرحاً للحرب الباردة ، و مصدراً لصراعات كان يمكن أن تمتد دولياً .. و كما أشارت الوثيقة ، لم تعد المنطقة مصدراً للطاقة ، و تحوّل المنافسة إلى منافسة بين القوى الكبرى ، و هو ما يعني أن تحتفظ عن أفضل موقع ممكن آخر ، و أن الصراع بات أقل تعقيداً الآن .. و هناك توافق ملموس على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، و هناك تحول إيجابي في سوريا ، و وفقاً للوثيقة ، سيتحول الشرق الأوسط لمنطقة جذب للاستثمار ، و أن شركاء الشرق الأوسط يُبدون إلتزاماً أكبر ضد التطرف ..
هذا ، و حددت الوثيقة مجموعة من المصالح أهمها : عدم وقوع إمدادات النفط في يد الخصوم ، حماية حرية الملاحة في المنطقة ، و ضمان أمن إسرائيل ، و عدم تحول المنطقة إلى منصة تهديد ، و توسيع الاتفاقات الإبراهيمية .. و أهم ما أشارت إليه أن الأيام التي كان الشرق الأوسط يهيمن فيها على السياسة الخارجية الأميركية قد ولّت ، ليس لأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً ، بل لأنه لم يعد مصدراً للمنغصات أو سبباً محتملاً لكارثة ..
و حسب قول إحسان الخطيب ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مُراي ستيت ، أن جوهر المقاربة الأميركية يقوم على تشابك اقتصادي أوسع يقوم على المنفعة المتبادلة ، و أن الاستراتيجية تضمن اعترافاً أن الإدارات السابقة أخطأت حين لم تُبدِ احتراماً كافياً للثقافة المحلية ، و أن المنطقة أصبحت أكثر استقراراً بعد حرب إيران ..
و الفاعل الثاني الذي يرى في المنطقة أهمية استراتيجية هي الصين ، ببناء شراكات استراتيجية و اقتصادية مع دول المنطقة و تقديم نفسها ليس بديلاً عن الولايات المتحدة ، بقدر أنها قوة عالمية صاعدة و أنه لا غنى عنها في موازنة قوة و مصالح دول المنطقة في مواجهة أحادية القوة الأميركية .. لا شك نجحت في بناء شراكات استراتيجية مهمة مع أكثر من دولة من دول المنطقة ، و خصوصاً دول الخليج العربي ، و بناء علاقات مع إيران كقوة إقليمية منافسة و داعمة للدور الصيني ..
و إلى جانب الصين هناك الدور الروسي و تثبيت مصالحه و وجوده بعلاقاته مع إيران و علاقاته التقليدية مع أكثر من دولة من دول المنطقة ، و بناء شبكة علاقات جديدة تقوم على أسس جديدة من المصالح المتبادلة .. و رأينا نماذج من هذه العلاقات مع الإمارات و الدور الذي قامت به الإمارات في تبادل الأسرى بين روسيا و أوكرانيا ..
و لعل الإشكالية الكبرى في عقدة الشرق الأوسط هي إسرائيل ، التي تريد شرق أوسط جديداً أولاً بدون فلسطين ، كما عبَّر عن ذلك نتنياهو في خرائطه التي عرضها من على منبر الأمم المتحدة ؛ شرق أوسط تكون فيه إسرائيل الدولة الأحادية ، و الحيلولة دون وجود أي قوة من قلب المنطقة أو دولة إقليمية كإيران أو تركيا تملك سلاحاً نووياً أو سلاحاً يغير موازين القوة لغير صالحها ؛ شرق أوسط تفرض فيه إسرائيل سلامها القائم على القوة و التفوق العسكري ؛ شرق أوسط تحكم خريطته أمنها و بقاءها دونما أي اعتبار لأمن الدول الأخرى ، و تكون فيه إسرائيل الدولة المتفوقة عسكرياً و تكنولوجياً ..
و هذه الرؤية الأحادية تتعارض مع مصالح و أمن الدول الأخرى ، و هي أقرب إلى الخيال السياسي منها لواقع القوة و لتحولاتها التي شهدتها المنطقة .. فلم تعد دول المنطقة دولاً تابعة و لا فاقدة للقوة ، فاليوم نجد تحولات في فاعلية و قوة دول المنطقة القادرة على تشكيل تحالف إقليمي منها ، و قادرة على ملء أي فراغ للقوة .. أضف إلى ذلك ، اليوم الدول العربية لديها شراكات استراتيجية شاملة و متنوعة و تمتد علاقاتها لتغطي كل الخارطة الكونية .. و الأهم في الفاعل العربي امتلاكه لعناصر القوة الشاملة ، و خصوصاً القوة الناعمة كبروز دور أكبر لدول الخليج العربي ، و تطورت علاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة ذاتها كما نرى مع الإمارات و السعودية و قطر ومصر ..
و يبقى السؤال الرئيس هنا : بالنسبة إلى من يملك الحق في إعادة بناء خارطة المنطقة ، هل هي دول المنطقة؟ أم الدول الإقليمية؟ أم الولايات المتحدة؟ و ما دور الصين و روسيا و أوروبا؟ و هذا هو السؤال الذي يواجه الدول العربية و حفاظها على خارطتها و أمنها العربي .












ضبط سيدة من لتوزيعها مبالغ مالية على الناخبين بالفيوم
ضبط مسجل خطر استولى على سيارة أجنبي
القبض على 10 أشخاص لتشاجرهم على مناصرة مرشحين بالقرب من دائرة انتخابية...
قطار يدهس ميكروباص بالمنوفية
تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس وعيار 21 يفقد 60 جنيهًا
أسعار الذهب في الصاغة اليوم الجمعة
سعر الدولار اليوم الخميس 11 ديسمبر 2025 مقابل الجنيه المصري
أسعار الدولار أمام الجنيه اليوم الأربعاء