الجمعة 2 يناير 2026 02:34 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

القس اسطفانوس زكى يكتب: عَجَبِي… مصر، بلدي الغالية، إلى أين؟

القس اسطفانوس زكى
القس اسطفانوس زكى

لستُ أدري ماذا حدث لمصرنا في السنوات القليلة الماضية. فقد عرف المصريون، عبر تاريخهم الطويل، معنى العيش المشترك قبل أن يعرفوا لغة التصنيف. كنا نلتقي في الشارع والمدرسة والعمل أبناء وطن واحد، تجمعنا إنسانيتنا ومصريتنا، وكان الإيمان شأنًا شخصيًا مقدسًا، لا أداة فرز ولا معيار تصنيف.

تربّينا على هذا المعنى في البيوت والمدارس والشوارع، ومع الجيرة الحلوة، عندما كنا نغني معًا ونفرح معًا ونشترك في كل مناسباتنا بلا أي حساسية، وتعلّمنا المحبة والترابط في الفن قبل أن نقرأه في الكتب. وجسّدت السينما والدراما المصرية هذا الوعي ببساطة وصدق، ويظل فيلم «حسن ومرقس وكوهين» شاهدًا على زمن رأى الإنسان أولًا واعتبر التنوع قوة لا تهديدًا. ثم فجأة صار العنوان «حسن ومرقس» فقط، وسأل كثيرون في صمت: أين ذهب كوهين؟ وأين ذهب المعنى؟

في ذلك الزمن، لم تكن التصنيفات موجودة في خطابنا اليومي. داخل الأسرة الواحدة، كان الاختلاف العقيدي موجودًا باحترام دون نزاع أو خصام، فالاختلاف من سنن الله سبحانه، ولو أراد لجعل الناس كلهم أمة واحدة.

لكن في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وضغوط المعيشة، بدأ الإعلام عبر وسائل متعددة يلعب دورًا ملتبسًا في تشكيل الخطاب العام. بدل أن يكون مساحة للتوعية وتزكية روح الوحدة والارتباط، تحوّل أحيانًا إلى ساحة للإثارة، تُضخّم فيها نقاط الخلاف أكثر، ويُستخدم فيها الخطاب الديني خارج سياقه. وظهر ذلك بوضوح في مواسم الأعياد، حيث ترددت بعض المنصات في تهنئة المخالفين لنا بأعيادهم أو حتى مشاركة أفراحهم، وكأن الفرح مع صديقي أو جاري يحتاج إلى تبرير.

بل وصل بعضهم إلى المثول فوق منصة الله الديان العادل سبحانه للحكم على من يذهب إلى الجنة أو النار؛ ، بدلا من الاهتمام والانشغال بإصلاح أمورنا الدنيوية،، ونحن مسؤولون على الأرض عن بث وزرع روح الاحترام المتبادل والعمل الصالح واثمار الأرض وحفظ الحقوق والمواطنة والالتزام الأخلاقي والتضامن الاجتماعي.

وامتدت المسألة أيضًا إلى حملات تشكيك في الأسفار المقدسة وخصوصيتها الدينية وربط النصوص بالمواقف السياسية دون علم أو دليل، ونحن لسنا ضد البحث أو السؤال، لكننا ضد تحويل المقدس إلى مادة للجدل أو وسيلة لتفكيك الانتماء الوطني و من طرف واحد

وفي الاونة الأخيرة، تسللت النبرة نفسها إلى الخطاب الرسمي لبعض المسؤولين وربما بدون قصد ، فسمعنا تعبيرات تستبدل لغة المواطنة بلغة الوصف الديني، مثل «الإخوة المسيحيين» بدل «المواطنين المسيحيين»، وبعض التصريحات الرسمية ذهبت إلى تصنيف المسيحيين أنفسهم إلى أرثوذكس وبروتستانت وكاثوليك، وكأننا بحاجة إلى مزيد من الشرذمة والتفريق بدل التأكيد على المساواة أمام القانون.

وأحدثت أيضًا قرارات الإجازات الطائفية واللغة المستخدمة جدلًا واسعًا، فلم تصبح مجرد تنظيم للعمل، بل رسالة خفية: أن الحقوق يمكن تجزئتها حسب الطائفة وأن الانتماء المذهبي قد يصبح معيارًا للامتياز. وهنا تكمن خطورة القرارات الإدارية والتعبيرات التي لا تراعى الدقة في استخدامها. فالمشكلة ليست في تنظيم أيام الإجازات، بل في الفكرة التي تنقلها عن تقسيم المجتمع، في وقت يجب أن نركز فيه على وحدة الوطن وحقوق كل مواطن.

ان الدستور المصري واضح فى ان المواطنة أساس الدولة، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وحرية العقيدة مكفولة... المواطنة الحقيقية تعني أن الإنسان محترم، وأن تُستخدم لغة تجمع لا تُقصي، وتطمئن لا تُربك، وتخفف عن الناس بدلًا من أن تُضيف إلى أعبائهم.

ورغم كل ما سبق، لكننا نثق فى المصريين أنفسهم فهم مازالوا أكثر وعيًا وترابطًا من بعض الخطابات الرسمية والإعلامية. .ففي الحياة اليومية، ما زال الناس يهنئون بعضهم بعضًا ويحتفلون بالفرح المشترك، ويؤكدون أن المحبة العملية أقوى من أي تصنيف أو جدل. فالشارع المصرى يعرف أن الوطن يُحفظ بالمحبة والاحترام لا بالتمييز أو التفريق.

يا ربّ
احفظ مصر بود و بلا انقسام
وارزق شعبها حبًّا وسلامً
وامنح رئيسها حكمةً في كل مقام
والمسؤولين حكمة في العمل وتصريحات الاعلام

اجعل قلوبنا متحدة، والوفاء عنوان
واجعلنا جميعًا أخوةً في كل زمان
واحفظنا دائما فى امن وامان
...امين..
......ق / اسطفانوس زكى....الامين العام للطائفة الانجيلية

القس اسطفانوس زكى عَجَبِي… مصر بلدي الغالية إلى أين؟ الجارديان المصرية