الأربعاء 7 يناير 2026 04:49 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : سياسة الفتوة من البيت الأبيض ترامب يعيد تعريف القيادة العالمية بمنطق الغلبة لا الشراكة

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

واشنطن، الولايات المتحدة –
من البيت الأبيض، لا تُدار السياسة العالمية هذه الأيام بمنطق الدبلوماسية الهادئة أو الشراكات المتوازنة، بل بعقلية أقرب إلى “الفتوة” الذي يفرض كلمته بالقوة، ويُخضع من حوله بالصوت العالي والعصا الغليظة. هكذا يحكم دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، عالمًا مرتبكًا، مستخدمًا النفوذ الأمريكي لا كمسؤولية دولية، بل كأداة ضغط وابتزاز.
ترامب لا يرى النظام الدولي شبكة مصالح معقدة، بل ساحة مواجهة. من لا يسير في الركب الأمريكي، يُعاقَب. من يناقش، يُهدَّد. ومن يعترض، يُقصى. في قاموسه، الحلفاء عبء، والاتفاقيات فخ، والمؤسسات الدولية مجرد منصات يمكن كسرها أو تجاهلها متى تعارضت مع رغبته.
الفتوة بدل القيادة
القيادة تعني الاحتواء وبناء التوافق، أما سياسة الفتوة فتعني فرض الأمر الواقع. ترامب اختار الطريق الثاني بلا تردد. يلوّح بالعقوبات قبل الحوار، وبالانسحاب قبل التفاوض، ويستخدم التصريحات النارية كأدوات حكم لا تقل تأثيرًا عن القرارات الرسمية.
لم يعد العالم يتعامل مع سياسة أمريكية مستقرة، بل مع مزاج سياسي متقلب، قد يغيّر مسار الأسواق، ويقلب التحالفات، ويشعل الأزمات بين ليلة وضحاها.
الاقتصاد في قبضة العصا
في عهد ترامب، تحوّل الاقتصاد العالمي إلى ساحة صراع. الدولار سلاح، والعقوبات أداة إذلال، وسلاسل الإمداد أوراق ضغط. دول تُخنق اقتصاديًا لا لأنها تشن حربًا، بل لأنها ترفض الانصياع. وشركات كبرى تُجبر على تغيير سياساتها، ليس وفق قواعد السوق، بل وفق أوامر البيت الأبيض.
هذه السياسة لم تُربك الخصوم فقط، بل هزّت ثقة الحلفاء، وكسرت فكرة الاستقرار التي يقوم عليها أي نظام اقتصادي عالمي.
كسر القواعد بلا بديل
الأخطر من سياسة الفتوة، أنها لا تترك وراءها قواعد. ترامب لم يُصلح النظام الدولي، بل فككه. شكك في القانون الدولي، همّش المؤسسات الأممية، وأضعف مفهوم الالتزام. فتح الباب أمام منطق خطير: إذا كانت الدولة الأقوى تكسر القواعد، فلماذا يلتزم بها الآخرون؟
وهكذا، انتقلت العدوى. زعماء كُثر وجدوا في نموذج ترامب مبررًا للخشونة، والشعبوية، وتغليب القوة على الحكمة.
عالم يدفع الثمن
قد تحقق سياسة الفتوة مكاسب سريعة، لكنها تخلّف خسائر عميقة. عالم أقل ثقة، أكثر توترًا، وأقرب إلى الانفجار. فالهيمنة بلا شرعية لا تدوم، والضغط بلا عدالة يولد مقاومة، والقوة العارية لا تصنع استقرارًا.
في النهاية، من البيت الأبيض خرجت سياسة لا تقود العالم، بل تدفعه. لا تجمعه، بل تختبر صبره. سياسة قد تصنع رئيسًا صاخبًا، لكنها لا تصنع نظامًا دوليًا قابلًا للحياة.
والتاريخ، كعادته، لا يحابي الفتوات… مهما بلغت قوتهم.

مدحت الشيخ سياسة الفتوة من البيت الأبيض ترامب يعيد تعريف القيادة العالمية بمنطق الغلبة لا الشراكة الجارديان المصرية