السبت 10 يناير 2026 12:55 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : الإسلام وإدارة الوقت

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

كلما تغلق السنة ستارتها لتنبئ عن نهايتها ، تجد كثير من الناس يتشوّقون لافتتاح ستارة العام الجديد ، فإذا افتتحت تجدهم يتهللون فرحا ، ويبتهجون سرورا ، بل يهنئ بعضهم بعضا ! وإذا سألت أحدهم : ماذا أنجزت في العام المنصرم ؟ سكت ، أو قال : قد أنجزت كذا ، وكذا .. فإذا تأملت في إنجاز الكثير
منهم تجد صفرا كبيرا ! وإنهم قد تركوا للأيام أن تسرق أعمارهم ، وهم لا يدرون، ومثلهم كرقص الطير إذا ذبح ! فإن الأعمار تقاس بالأعمال ذات قيمة ، ولا تقاس بأعمال الغافلين ،ولا بالسكارى
، لأنها لا تساوى إلا حبرا على ورق ، إنهم لا يدرون قيمة الوقت ، وتلك مصيبة كبرى، فالوقت معناه العمر ، أي عمر الإنسان ولا يوجد أي شيء في الوجود أغلى من العمر ، فإذا ضاع منك وقتا ، فقد ضاع منك جزءا من عمرك .
ولذا قال أحد الشعراء :
الوقت أغلى من الياقوت والذهب ونحن نخسره في اللهو واللعــب
نلهو ونلعب ، والأيـــام مدبرة تجرى سراعا تجدّ السير في الهرب
وقال علماء التنمية البشرية "إن الوقت هو السلعة الوحيدة التي لا تستبدل ،ولا تسترجع ، ولا تعوّض" ولكن أي سلعة أخرى يمكن استبدالها بسلعة أخرى
أفضل منها ، ويمكن استرجاعها .. إن الشخص الذى يعرف قيمة الوقت ، هو شخص ناجح ، ومتحضر ، وكذلك الأمم ، ولذا عرف الإسلام قيمة الوقت ، وأهميته ، بل أنك تجد أن الله قد أقسم ببعض الأوقات ، وجعل هذا القسم في بداية
بعض سور كتابه العزيز ، كقوله تعالى "والفجر" وفى موضع آخر قال "والضحى* والليل إذا سجى"وفى موضع ثالث قال "والعصر" وليس هذا فحسب بل أنه وصف الذين لم يستفيدوا بأوقاتهم ، ولم يقوموا بإنجاز أعمال إيجابية ، ونافعة لهم ، ولغيرهم من الناس ، بأنهم خاسرون فاشلون لا قيمة لهم ، ولا وزن ، ولذا قال والعصر *إن الإنسان لفي خسر" لأنهم ضيعوا أوقاتهم ، تسكّعا ، وتسويفا ،
وإهدارا فيما لا يفيد ، ولا بنفع ! فإن الحياة الممتلئة بإشباع الغرائز ، والملذات ، لا قيمة لها ، ولا وزن ، كما أن مدّعى العمل ليلا ، ونهارا لا جدوى في تلكم الحياة البائسة، والتي لا ينجم منها سوى الخسارة الصحية ، والعقلية ، والنفسية
، كما أنه هو الهلاك ، أو قل هو الانتحار بعينيه ! كما أنه يعدّ من التخلف الحضاري "وخاصة ونحن في القرن الحادي ، والعشرين ! وأين هم من قول الرسول ﷺ "اعط لكل ذي حق حقا" ؟ ولذا قد زكّى الله أولئك الناس الذين حرصوا على استثمار أوقاتهم تنظيما ، وتدقيقا ، بالاستفادة منها أيما استفادة
بتنمية قدراتهم ، واكتساب مهارات جديدة في مناحي عدة من مناحي الحياة المختلفة، واستغلالها ليقوموا بأعمالهم سامية ، ونبيلة ، كوقوفهم بجانب الناس، وإرشادهم لما هو إيجابي ، ونافع ، وحثهم على الأمل ، والصبر ، والتماسك ،عندما ينتابهم ضعفا نفسيا ، أو إصابتهم بشيء من النوازل .. فهؤلاء الناس قد استثناهم الله من أي فشل ، أو خسران ، فقال "إِلَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡر"كما أته قد بين أنه قد خلقنا لهذه الأعمال ، ولم
يخلقنا عبثا ، ولا عبئا على هذه الحياة ، فقال "أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" ولذلك يجب علينا تحديد الأولويات والأنشطة التي يجب أداؤها ،
وترتيبهما حسب الأولى ، والأكثر أهمية ، واحتياجا للمرء ، ثم التي يليها وهكذا، كما قال الله تعالى "أولى لك فأولى" كما أنك إذا تتبعت أحاديث رسولنا الكريم ﷺ لم تكن خالية عن أهمية الوقت ، بل قد اعتبر الوقت غنيمة يجب استثمارها استثمارا يليق بنا قبل فوات الأوان ، فقال ﷺ "اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك ، وغناك قبل فقرِك ،
وفراغَك قبل شُغلِك وحياتَك قبل موتِك" كما أنه وصف الذين يخلفون بمواعيدهم بأنهم منافقون ، فقال ﷺ" آيةُ المُنافِقِ ثلاث" وذكر "وإذا وعَدَ أخلَفَ" فهذه هي قيمة الوقت في الإسلام ، وهذا هو "الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عاما ،
فها هو التقدم ،والتحضر بأعلى صورهما ! فما أروع ذلك ! وما أجمل ذلكم الدين !

زكريا سليمان الإسلام وإدارة الوقت الجارديان المصرية