عصام بيومي يكتب : أمريكا بين ”جزيرة الشر” و”فخ ثيوسيديدس”!
من منظور أكاديمي تبدو قصة جزيرة إبستين أو "جزيرة الشر" أكثر من فضيحة أخلاقية عابرة؛ إذ يمكن قراءتها كحدث كاشف لغموض وضع القوة الأمريكية داخليا وخارجيا.
بحسب نظريات العلاقات الدولية وتحديدا النظرية الواقعية - الصراع أساس العلاقات- يبدو الأمر صراعا وأداة ابتزاز بين شبكة النخب الأمريكية. هنا تحدد موازين القوة بين مكونات هذه الشبكة متى تنتهي القضية أو تتفجر أكثر، وإلى أي مدى.
وبحسب النظرية الليبرالية - تفترض التعاون والعمل المؤسسي- سنكون أمام أزمة مؤسسات وثقة عامة. وسيعني ذلك تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية الأمريكية. وعندما تتراجع الثقة الداخلية تضعف "القوة الناعمة" الأمريكية عالميًا، وهو أمر تسارع مع تفجر قضية إبستين.
أما لو طبقنا النظرية البنيوية النقدية (المقاربة العلمية الدقيقة) فسنرى تحركاً تقوده مجموعة من نخب اقتصادية عالمية تشكل طبقة عابرة للدول، وللحدود. وهذا ما يمكن تسميته "عولمة النفوذ" مع تداخل المال والسياسة وعدم خضوع النخب للرقابة. لكن من منظور جيوسياسي أوسع ستشير القضية إلى نوع أو درجة من الصراع الدولي. فأي فضيحة تمس النخبة الأمريكية لن تمر مرور الكرام على القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين، ولا على المصالح والأسواق التي تتحكم فيها تلك النخب.
في الوقت الحالي تكاد القضية تنحصر في بعدها المحلي الأمريكي، صراعا بين نخب غير مرئية بالكامل، وهو ما يسمى في الأدبيات السياسية، "الدولة العميقة". هذه الدولة العميقة تشمل دوائر المال والأمن والاستخبارات والبيروقراطية العليا. وإذا أخذنا في الاعتبار أنه في دهاليز الصراع بين النخب، يتم تفعيل الملف أو تجميده حسب الحاجة السياسية، ستبرز أسئلة مهمة، لماذا حُوكم إبستين في 2008 بصفقة مخففة؟ ولماذا عاد الملف بقوة بعد عقد تقريبا؟ ولماذا أُغلق فجأة بإعلان انتحاره المشكوك فيه؟ ولماذا يتفجر الآن مجددا؟ لكن سيظل السؤال الأهم: مَنْ في تلك الشبكة الخفية يملك الكارت الأقوى لحسم الصراع؟. وأقول "تكاد" تنحصر محليا لأنه إذا كان أقوى الكروت هنا هو "كارت المعلومات" فلن تظل القضية محلية، مع العلم بأن إسرائيل تخترق كل شركات التقنية الحديثة من مايكروسوفت وجوجل إلى فيسيوك وتويتر إلى بالانتير وأوراكل وإنفيديا!. وبما أن إبستين لم يكن يعمل منفردا بل كان وراءه جيش من العملاء والأتباع متعددي الجنسيات، فيصح أن تخرج القضية إلى نطاق العالمية. لكن ستظل اليد العليا في هذا الصراع للجهة التي تملك معلومات محرجة عن شخصيات عليا، بدأت الإطاحة بالبعض، ومنهم الأمير البريطاني السابق أندرو. ويبدو أن أندرو لن يكون آخر الاسماء التي ستسقطها "إبستين-جيت"، ففضيحة "ووترجيت" لم تبدأ بإطاحة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بل انتهت بها.
عندما تفجرت "ووترجيت" لم يقدم نيكسون استقالته في اليوم التالي. ما أخر استقالته كان صراعا خفيا داخل المؤسسات، لعب فيه نائب مدير إف بي آي وقتها مارك فيلت الدور الأكبر حيث ظل يسرب المعلومات تباعا إلى بوب ودوارد وزميله، حتى اضطر نيسكون للاستقالة. ولا شك أن فيلت بدوره كان يتلقى الأوامر من طرف أعلى منه. ولكن هنا يثور السؤال: هل كانت استقالة نيكسون هزيمة حقيقية، أم أن من يديرون المشهد ارتأوا أفضلية رحيله بتلك الطريقة، وفي تلك اللحظة بالذات؟!
ليس صعبا هنا إدراك أن الإطاحة بنيكسون استخدمت للتخلص من مشاكل عدة خارجية واجهتها واشنطن بعد إلغائه غطاء الذهب على الدولار ضمن تداعيات حرب فيتنام، علاوة على أنها استُغلت لتعزيز صورة النظام الأمريكي كنظام "ديمقراطي" قادر على تصحيح نفسه. أما فضيحة إبستين فهي تعزز المعلومات المتزايدة يوما بعد يوم عن وجود مناطق مظلمة في السلطة الأمريكية لا تخضع للمساءلة، بما يخلق شكوكا حول حقيقية من يسيطرون على الأمور، وغموضا حول مستقبل القوة الأمريكية.
في نظرية استقرار الهيمنة (Hegemonic Stability Theory)، يرى مفكرون مثل تشارلز كيندلبرغر وروبرت كيوهان أن النظام الدولي يستقر عندما توجد دولة مهيمنة توفر أمنًا دوليًا، ونظامًا ماليًا مستقرا، وشرعية قيمية وأخلاقية. ومنذ الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة هذا الدور، وأطلق على عهدها "باكس أميريكانا" أي عهد الهيمنة الأمريكية. لكن هذه الهيمنة تبدو مأزومة مع تزايد التآكل الداخلي الذي تمثل فضيحة إبستين أخطر أعراضه. هذا هو ما وثقه مؤرخون مثل بول كينيدي في كتابه "صعود وزوال القوى العظمى" (1987)، حيث قال إن سقوط القوى الكبرى لا يحدث فقط نتيجة الإفراط في التوسع الاستعماري بل أيضا نتيجة الإنهاك والتفسخ الداخلي وانتقائية العدالة. وكل هذه أمور تؤدي إلى تراجع الثقة في المؤسسات وبداية مرحلة الأفول أو ما بعد الهيمنة.
يأخذنا هذا إلى نظرية التحول البنيوي التي تقول إن أخطر لحظة في النظام الدولي هي، لحظة إعادة ضبط موازين القوى، عند اقتراب قوة صاعدة من معادلة قوة مهيمنة، متداعية خارجيا وداخليا بفعل التمدد الزائد والتفسخ الأخلاقي، والقرارات المتهورة، وهو ما يزيد أطماع أو فرص القوة الصاعدة في تحديها. هنا نصل إلى نظرية أو "فخ ثيوسيديدس" (Thucydides Trap)، المؤرخ الإغريقي الذي استخرج من الحرب بين أثينا وإسبرطة قاعدة صاغها المفكر الأمريكي جراهام أليسون كالتالي: "عندما تقترب قوة صاعدة من مضاهاة القوة المهيمنة يتولد خوف بنيوي يقود إلى توتر ينتهي غالبا بالحرب". فهل توقع جزيرة الشيطان أمريكا في فخ ثيوسيديدس، كُرها، أو طوعا ربما؟ لننتظر ونرى.












زوج ييشعل النار في زوجته قبل موعد الإفطار بدقائق
دعوى قضائية تطالب بوقف نشر صور المتهمات والقاصرات فى قضايا الآداب
مصرع 5 عناصر جنائية شديدة الخطورة عقب تبادل لإطلاق النيران مع الداخلية...
تأجيل محاكمة 139 متهما بالهيكل الإداري للإخوان لجلسة 9 مايو
اسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة
أسعار الدواجن والبيض اليوم الخميس 19 - 2 - 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة.. عيار 21 يقفز 40 جنيهًا
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...