الخميس 26 فبراير 2026 07:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

هدى حجاجى احمد تكتب : هؤلاء الذين يصنعون العالم بصمت

الكاتب  هدى حجاجى احمد
الكاتب هدى حجاجى احمد

ثمة بشرٌ لا تراهم العيون كما ينبغي، رغم أن آثارهم تحيط بنا من كل جانب. نعيش داخل ما تصنعه أيديهم، نمشي فوقه، نستظل به، نتأمل جماله، ومع ذلك نادرًا ما نتوقف لنتذكرهم. إنهم أصحاب الحِرف… أولئك الذين يبنون تفاصيل حياتنا حجرًا فوق حجر، ولمسةً فوق لمسة.
في الصباحات المبكرة، قبل أن تستيقظ المدن تمامًا، تكون الأيدي قد بدأت عملها. عامل البناء يقف فوق السقالات كأنه يتحدى الجاذبية، يحمل أثقالًا لا يحملها إلا جسد اعتاد المشقة. لا يرفع جدارًا فقط، بل يرفع سقف أحلام أناسٍ لن يعرف أسماءهم يومًا. يسكب عرقه في الأسمنت، وتغيب ملامحه خلف الغبار، لكن البيوت التي يشيّدها تبقى شاهدة على وجوده.
النقّاش، ذلك الساحر الهادئ، يدخل إلى الجدران الباهتة فيبعث فيها حياة. بضربات فرشاته تتبدل الأمكنة، ويتحوّل الصمت اللوني إلى مشهدٍ نابض. هو لا يغيّر لون الحائط فحسب، بل يغيّر الإحساس بالمكان كله. يمنح البيوت مزاجًا، ويمنح الغرف روحًا، كأن اللون لغة خفية لا يجيدها إلا القليلون.
وعامل السراميك… ذلك الذي يجلس طويلًا على ركبتيه، يوازن بين الدقة والصبر. قطعة صغيرة في غير موضعها كفيلة بإفساد لوحة كاملة. هو يعرف هذا جيدًا، لذلك يتعامل مع كل بلاطة كما لو كانت جزءًا من نظام كوني بالغ الحساسية. يرصّها بعناية، وكأنه يعيد ترتيب الفوضى في صورة هندسية صامتة.
ثم هناك الفنانون والرسامون، أولئك الذين يتعاملون مع الفراغ كما لو كان مادة قابلة للتشكيل. يرون ما لا نرى، ويجسدون ما نعجز عن قوله. اللوحة عندهم ليست ألوانًا على سطح، بل حالة إنسانية كاملة. هم يرممون ما يتشقق داخلنا، ويترجمون المشاعر إلى ظلال وخطوط، كأن الفن محاولة دائمة لفهم هذا العالم المزدحم بالضجيج.
العجيب أن القاسم المشترك بين هؤلاء جميعًا هو شيء لا يُرى بسهولة: الصبر. صبرٌ لا يُقاس بالساعات، بل بالتحمّل الداخلي، بالقدرة على التكرار دون ملل، وعلى الإتقان رغم التعب، وعلى الاستمرار رغم قسوة الظروف. إنهم يعملون في صمت، لكن صمتهم مليء بالمعنى.
نحن نرى المباني ولا نرى من رفعوها. نرى الجدران المزينة ولا نتخيل من وقف طويلًا ليصنع هذا الجمال. ننبهر بالنتيجة وننسى الرحلة. كأن المجتمع اعتاد النظر إلى الأشياء مكتملة، متناسيًا تلك الأيدي التي منحتها وجودها الأول.
الحِرفة، في جوهرها، ليست مجرد عمل يدوي، بل علاقة حميمة بين الإنسان والمادة. هي حوار طويل بين الجسد والجهد، بين الرؤية والتنفيذ، بين الفكرة والصبر. وربما لهذا تحمل الأعمال اليدوية دائمًا دفئًا خاصًا، لأنها مشبعة بحضور إنساني مباشر.
في زمنٍ يقدّس السرعة والإنجاز الفوري، يقف أصحاب الحِرف كتذكيرٍ حيّ بقيمة التأني. يذكّروننا أن كل ما حولنا بدأ بيدٍ بشرية، بفكرة صغيرة، بمحاولة أولى لم تكن مثالية، لكنها كانت صادقة.
إنهم لا يحتلون العناوين، ولا تُسلّط عليهم الأضواء كثيرًا، لكنهم – ببساطة – من يجعلون الحياة ممكنة، وجميلة، وقابلة للعيش.
هؤلاء الذين يصنعون العالم بصمت… هم أكثر حضورًا مما نظن.

هدى حجاجى احمد هؤلاء الذين يصنعون العالم بصمت الجارديان المصرية