الخميس 26 فبراير 2026 11:11 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا : حكاية ترام

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

أشعر بحزن عميق كلما نظرت إلى ما يحدث لتراثنا في مصر ، وكأن هناك إصرارًا على قطع الخيط الذي يربطنا بتاريخنا ، إلغاء ترام الإسكندرية لم يكن مجرد قرار إداري يتعلق بوسيلة نقل قديمة ، بل كان نهاية فصل طويل من الذاكرة الحية لمدينة كانت يومًا ما منارات البحر المتوسط .
بدأ ترام الإسكندرية عمله سنة 1860، في وقت كانت فيه مدن كبرى في العالم ما زالت تبحث عن حلول حديثة للنقل داخل المدن ، في بدايته كان يُسحب بواسطة الخيول، ثم دخلت الكهرباء فصار ترام الإسكندرية أكثر تطورًا ، واشتهر عالميًا بعرباته ذات الطابقين التي أصبحت جزءًا من معالم المدينة ، لأكثر من قرن ونصف ظل الترام يسير في شوارع الإسكندرية ، شاهدًا على تحولات سياسية واجتماعية وثقافية ، وناقلًا لملايين البشر بصمت وثبات .
القاهرة بدورها لم تكن بعيدة عن هذا التطور ، فقد انطلق أول ترام فيها سنة 1896، في وقت كانت العاصمة تشهد توسعًا عمرانيًا كبيرًا . ثم ظهر التروﻟﻲ باص في منتصف القرن العشرين ، ليؤكد أن مصر كانت تواكب أحدث نظم النقل الكهربائي في زمانها ، هذه المشروعات لم تكن مجرد خطوط مواصلات ، بل دليلًا على أن مصر كانت تواكب التطور وكانت جزءًا من حركة الحداثة العالمية .
إذا نظرنا إلى أوروبا ، نجد أن لندن شهدت تشغيل عربات ترام تجرها الخيول في ستينيات القرن التاسع عشر، ثم انتشر الترام الكهربائي في أواخر القرن نفسه و في مدن مثل برلين وباريس وبودابست …أما فى مدينتى العزيزة ڤيينا فقد بدأ تشغيل الترام سنة 1883 ثم تطور ترام ڤيينا تدريجيًا دون أن يفكر احدا فى الغائه ، بل تم تحديثه وتوسيعه حتى أصبح الترام اليوم أحد أهم وسائل النقل في مدينة ڤيينا وأحد اهم معالمها ، المفارقة لم تكن في من بدأ أولًا ، بل في من حافظ وطوّر وسبق الحداثة نفسها .
المفارقة المؤلمة أن الإسكندرية كانت من أقدم مدن العالم في تشغيل الترام ، قبل ڤيينا بثلاثة وعشرين عامًا ، ومع ذلك اختفى الترام عندنا بينما استمر فى مدينة الأنس وتحول إلى رمز حضاري وسياحي وبيئي . المشكلة ليست في التطوير ، فكل مدينة تحتاج إلى تحديث بنيتها التحتية، لكن السؤال: هل يكون التطوير دائمًا على حساب الذاكرة؟
الهدم أصبح مشهدًا متكررًا ، فيلات تاريخية تُزال، بيوت مشاهير تُباع ، ومعالم تختفي بصمت ، المدينة ليست مجرد طرق وكباري، بل طبقات من الزمن. عندما نهدم كل طبقة قديمة لنقيم مكانها شيئًا جديدًا بلا روح، نفقد جزءًا من هويتنا .
وأنا أكتب هذه الكلمات من ڤيينا ، أرى الترام يمر أمامي كل يوم بهدوء وانتظام ، عربات حديثة تسير فوق نفس الفكرة التي بدأت منذ أكثر من قرن ونصف…هنا لم يقف الترام عائقًا أمام التطور ، بل أصبح جزءًا من هوية المدينة ، وعندما أقارن بين ما أراه هنا وما حدث في القاهرة والإسكندرية ، أشعر أن الفارق ليس في الإمكانيات ، بل في احترامنا للتاريخ ، في ڤيينا يعيش الماضي داخل الحاضر دون صراع ، أما لدينا فكثيرًا ما يُنظر إلى الماضي كأنه عبء يجب التخلص منه ، هذه المقارنة ليست بدافع التقليل من بلدنا ، بل بدافع الحب الجارف والخوف عليها .
المدن العظيمة لا تعيش في الماضي ، لكنها أيضاً لا تقتله ، هي تبني حاضرها فوق أساسات تاريخها ، وتعتبر التراث قيمة مضافة لا عبئًا يجب التخلص منه. الترام في الإسكندرية لم يكن مجرد وسيلة نقل بطيئة في زمن السرعة، بل كان شهادة على مرحلة كانت فيها مصر سباقة في تبني التكنولوجيا الحديثة .
ربما لا نستطيع إعادة ما هُدم ، لكن يمكننا على الأقل أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا ، هل نريد مدنًا بلا ذاكرة؟ أم نريد مستقبلًا يحمل داخله احترامًا لما صنعه الأجداد؟ لأن الأمم التي تنسى تاريخها، أو تتعامل معه كأنه عائق، تفقد تدريجيًا جزءًا من روحها .
إيه اللي فاضل عالجنة


وصفى هنري
ڤيينا ١٨ أمشير ٦٢٦٧
الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦