الجمعة 13 مارس 2026 11:44 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : العدل الذى لا نراه.

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

حين يُبتلى الإنسان وهو لم يُؤذِ أحدًا، ويمضي من آذاه آمنًا مطمئنًّا، كأنه لم يلتفت إليه أحد بعد، لا يكون الوجع في الألم ذاته، بل في ارتباك المعنى. فالألم مفهوم، لكن اختلال المشهد هو ما يربك القلب ويُربك العقل معًا. يتسلل السؤال دون صوت: هل اختلّ الميزان؟ هل غاب العدل وسط هذا الضجيج؟ وهل يمكن للظلم أن يمرّ هكذا بلا حساب؟ غير أن هذا السؤال، على عمقه، يصدر عن رؤية ناقصة، لأن الإنسان لا يرى من الحياة إلا لقطة عابرة، بينما الحياة في حقيقتها ليست صورة ثابتة، بل مسار طويل، فيلم ممتد لا يُفهم من مشهد واحد، ولا يُحاكم من لحظة مبتورة. نحن نحاكم الأمور بميزان العاجل، بميزان اللحظة، بميزان ما تلتقطه العين وما يتألمه القلب الآن، بينما تُدار المقادير بميزان الحكمة، ميزان لا يُعجِل ولا يُخطئ، ولا يعمل وفق انفعالات البشر، بل وفق علم شامل لا يجزئ الصورة ولا يظلم التفاصيل. المعاناة، في كثير من الأحيان، ليست عقوبة كما يتوهم المنهكون، وليست علامة غضب إلهي كما يروّج اليأس، بل قد تكون رسالة عناية عميقة، رسالة تهذيب، أو إعداد، أو حماية خفيّة من مصير لو بلغه الإنسان في تلك اللحظة لانكسر من حيث لا يدري. فليس كل منع خسارة، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل ألم شرًّا خالصًا. القلوب لا تنضج في الرخاء، ولا تتشكل البصيرة في مساحات الراحة، وإنما يُعاد بناء الإنسان، داخليًا، تحت ضغط التجربة، حيث يُنزع الزيف، وتُختبر القيم، ويظهر المعدن الحقيقي للروح. الألم لا يأتي دائمًا ليكسرنا، بل أحيانًا يأتي ليعيد ضبطنا، ليصحح مسارًا، أو ليوقظ وعيًا، أو ليحررنا من تصورات خاطئة كنا سنهلك لو واصلنا التمسك بها. وفي المقابل، فإن إمهال الظالم ليس دليل رضا، ولا علامة نجاة، ولا شهادة براءة. فالتاريخ، والواقع، وتجربة البشر الطويلة، كلها تشهد أن الإمهال قد يكون استدراجًا هادئًا، أو تراكمًا صامتًا للحساب، أو فراغًا داخليًا ينهش صاحبه من الداخل دون أن تراه العيون. السكينة الظاهرة لا تعني سلامًا حقيقيًا، والضحكة العالية لا تنفي خراب القلب، وكثيرون يسيرون بين الناس ثابتين بينما أرواحهم تتآكل في صمت. نحن نحكم بما نرى، والحكمة تعمل من خلف الستار. نفرح ونحزن بحسب المشهد، لا بحسب الحقيقة الكاملة. نغفل عن أن ما يحدث لنا الآن قد يكون إعادة تشكيل، لا إقصاء، وقد يكون تجهيزًا، لا إهمالًا، وقد يكون عناية متخفية في هيئة ألم. لذلك، فإن الطيبة لا تضيع بالمعاناة، بل تُصفّى، والصدق لا يُهدر بالألم، بل يترسخ، والإنسان الشريف لا يخسر حين يتألم، بل يخسر حين يساوم على جوهره ليتجنب الألم. هناك عطايا لا تُمنح إلا لمن احتمل، وأبواب لا تُفتح إلا لمن صبر، ومقامات إنسانية لا يصلها إلا من سار مثقلًا بالجراح دون أن يتحول إلى جلاد. وفي النهاية، ليس كل تأخير ظلمًا، وليس كل ألم شرًّا، وليس كل هدوء نجاة. العدل لا يُقاس بسرعة ظهوره، والحكمة لا تُقاس بوضوحها اللحظي. ربك أعلم بك من نفسك، وأرحم بك من قسوتك على ذاتك، وأبصر بسريرتك من كل ظنون البشر، وما دام الميزان بيده، فاطمئن، فالعدل قد يتأخر في المشهد، لكنه لا يغيب أبدًا في الحقيقة.

سماح عزام العدل الذى لا نراه الجارديان المصرية