الأربعاء 25 مارس 2026 01:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. مصطفى يونس احمد يكتب: جدل السياسة والإقتصاد فى منطقة هرمز المضيق بين الماضى و الحاضر والمستقبل

د مصطفى يونس احمد
د مصطفى يونس احمد

فى ظل زيادة حدة التوتر وما تبعها من حرب امريكية إسرائيلية على إيران ، أحتل مضيق هرمز والأخبار المتعلقة به الصدارة فى وكالات الأنباء وقنوات الاخبار واستوديوهات التحليل السياسى وكل من تناول اخبار تلك التوترات وهذه الحرب من قريب أو من بعيد ؛ إذ تتشابك بهذا المضيق السياسة بالاقتصاد والاقتصاد بالسياسة فى جدلية مستمرة بينهما ، فكلما زاد التوتر في العلاقات السياسية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية أو إيران وأى طرف وكلما لاحت نذر الحرب تعلن طهران أن مضيق هرمز لن يكون آمناً ، وأنها قادرة على إغلاقه "متى شاءت"، وفي المقابل تحذرها الولايات المتحدة من مغبة التفكير في غلق المضيق، مشددة على أنها لن تسمح بعرقلة حركة الملاحة البحرية .

ولا شك أن الأمر برمته يرجع إلى الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمضيق بالنسبة للعالم ؛ إذ يمر عبره20% من الاستهلاك العالمى للنفط ، و25% من تجارة الغاز الطبيعى المسال ، كما أنه يمثل ساحة للكثير من المصالح والقوى الإقليمية والدولية ، وأن السيطرة عليه تعتبر ورقة ضغط استراتيجية بإمكانها تغيير موازين القوى وخلق أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة أو بمعنى آخر : تعد السيطرة عليه "ورقة قوية" في يد من يملكها "لا تنهي الحرب، لكنها تنقلها إلى مرحلة أكثر خطورة"، كما أن إغلاقه يؤدى إلى شلل في صادرات نحو 20-30% من احتياجات العالم النفطية) مما سيؤثر ذلك على دول الخليج العربى والعراق وعلى رأسها الإمارات العربية (أكثر هذه الدول استفادة ) من المضيق بنسبة تصدير99% من صادراتها النفطية ، ثم المملكة العربية السعودية بنسبة 88% ، ثم العراق بنسبة 85% ، تليهم الكويت وقطر والبحرين وحتى إيران التى ستجازف إذا اغلقته بتوقف صادراتها النفطية ، كما أن اغلاقه يعني انقطاع امدادات النفط عن الصين، والهند، والدول الآسيوية، والأوروبية .

والحقيقة التاريخية أن مضيق هرمز الذى جاء نسبة إلى أحد ملوك الفرس من بنى "ساسان" لم يكن يوماً – عبر تاريخه الطويل- بعيداً عن اهتمام المجتمع الدولى بسبب أهميته الاستراتيجية ، والحقيقة كذلك أنه وبسبب تلك الأهمية الاستراتيجية لم يستطع الإفلات عبر التاريخ من أطماع وصراع الدول الكبرى للسيطرة عليه ؛ فهو منفذ الخليج العربى إلى العالم الخارجي، وهو المتحكم في المدخلات والمخرجات بالمحيط الهندي وغرب آسيا ومنطقة الشرق الأدنى القديم ويُعرف لذلك باسم "فك الأسد".

وهنا نؤكد أن الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمضيق لم تكن وليدة الصراع الأمريكى الإسرائيلى – الإيرانى ، ولا وليدة اكتشاف البترول فى العالم العربى فى النصف الأول من القرن العشرين ، ولا وليدة العصر الحديث بشكل عام بقدر ما هى موغلة فى القدم عبر التاريخ ومنذ بداية الحضارات القديمة ؛ فقد مر من خلاله السومريون (أقدم حضارة معروفة تقع جنوب بلاد الرافدين/جنوب ووسط العراق حالياً) في الألف الثالث قبل الميلاد ، كما عثر بولاية بمنطقة "مدحا" العمانية على درهم إغريقي يحمل رسم الإسكندر المقدوني يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

ويذكر المؤرخون أن العرب – بعد الاسلام – وبداية من القرن العاشر الميلادى قد أقاموا فى هرمز مملكة على السواحل الشرقية من الخليج ، وأن تلك المملكة كانت تتاجر مع الهند والصين وأفريقيا، وفى عام1515م سيطر البرتغاليون على منطقة هرمز وقاموا بتحصينها وتحويلها إلى قاعدة عسكرية وتجارية وأصبحت هرمز بسيطرتهم عليها محل تنافس دولي كونها مفتاح للخليج ، والتى يسهل من خلال بإحكام السيطرة عليها احتلال جميع الموانئ الرئيسة المنتعشة في المنطقة. وظلت المنطقة برتغالية لأكثر من قرن من الزمن إلى أن تحالف الإنجليز مع الشاه الفارسي للتخلص من الاحتلال البرتغالى وبالفعل استولت القوات الأنجلو- فارسية – الهولندية المشتركة عليها في عام 1622م ، وأصبحت بريطانيا تسيطر على الساحل الشرقى للخليج العربى ، وصارت بندر عباس (الإيرانية ) المركز التجارى لشركة الهند الشرقية الإنجليزية ، وعلى الجانب الآخر من الخليج (الجانب الغربى) تزامن ذلك مع قيام حكم اليعاربة فى منطقة مسقط بــ (سلطنة عمان الحالية) والذين بدأو علاقات مع البريطانيين منذ تأسيس دولتهم 1645م وأســسوا عـــلاقات تـــجارية مع شركة الهند الشرقية .

وفى وقت لاحق تم تأجير هرمز، إلى جانب مناطق أخرى ومنها ميناء بندر عباس لحكام مسقط وعمان "البوسعيديون" بين عامي 1798 و1868م ، وظلت بريطانيا تبرم المعاهدات والاتفاقات مع حكام الخليج من أجل حماية مصالحها حتى انسحابها فى ستينيات القرن العشرين مما اتاح الفرصة لإيران لفرض سيطرتها علي جزيرة أبو موسى وفي السبعينيات وقع حاكم الشارقة على مذكرة تفاهم مع إيران برعاية بريطانيا، تنص على تقاسم السيادة وعوائد النفط فى تلك الجزيرة بين الشارقة وإيران ، وفى وقت لاحق قامت إيران ببسط سيطرتها على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى . وإلى جانب الجزر التابعة لإيران هناك مواقع عمانية تتحكم أيضا في مدخل المضيق وهي شبه جزيرة مسندم وتقع إلى الشمال من الإمارات، وتبلغ مساحتها حوالي 1900 كيلومتر مربع ، وقد قررت إيران عام 1959م توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً، ثم قررت سلطنة عمان عام 1972م اتخاذ الخطوة نفسها. ونتيجة لذلك أصبح المضيق واقعاً عملياً ضمن المياة الإقليمية المشتركة لإيران وسلطنة عمان.

ووفقاً للقانون الدولي، يعتبر مضيق هرمز جزءاً من أعالي البحار، ولكل السفن الحق والحرية في المرور فيه مادام لا يضر بسلامة الدول الساحلية أو يمس نظامها أو أمنها، وتخضع الملاحة فيه لنظام الترانزيت الذي لا يفرض شروطاً على السفن طالما أن مرورها يكون سريعاً( دون توقف أو تهديد للدول الواقعة عليه )، وقد حاولت إيران خلال المؤتمرين الأول والثاني لوضع قانون البحار المنعقدين فى جنيف خلال الفترة من 1958م إلى 1960م المطالبة بالإشراف على المضيق باعتباره يقع ضمن مياهها الإقليمية، إلا أن طلبها رفض من قِبل جميع المشاركين، وتكرر هذا الرفض للمرة الثالثة في المؤتمر الذى عقد في30 أبريل 1980م. ولم تصادق إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 وبالتالي فهي تعتبر نفسها غير ملزمة بنظام "المرور العابر" ، و تتمسك بنظام "المرور البريء" الذى يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع لتنظيم الملاحة في مياهها الإقليمية، خاصة مع السفن الحربية أو الأنشطة التي قد تهدد أمنها القومي ، مستندة فى في موقفها إلى القانون الدولي العرفي وأحكام محكمة العدل الدولية في قضية "قناة كورفو" بين المملكة المتحدة وايرلندا الشمالية عام 1949م، والتي أقرت مبدأ المرور البريء ، كما تستند كذللك إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول حق الدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات العسكرية .

ومع زيادة أهمية المضيق بشكل ملحوظ باكتشاف النفط في إيران والجزيرة العربية في بداية القرن الماضي شهدت فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها (خلال الحرب الباردة ) محاولات للوصول إلى المضيق وبسط النفوذ عليه ؛ فالاتحاد السوفييتي كان يتوق لذلك لتحقيق تفوقه المنشود والتمكن من نفط المنطقة ، وفى الوقت نفسه ولنفس الغرض سعت الولايات المتحدة إلى إطلاق أساطيلها في مياه المحيط الهندي والخليج العربي، وعمقت الروابط السياسية والتجارية والعسكرية مع دول المنطقة.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، كان المضيق من أكثر المواقع اشتعالا حيث شهد تدمير مئات السفن ، ففي يوليو1987م ، اصطدمت ناقلة كويتية تحمل العلم الأمريكي بلغم إيراني في أول قافلة بحرية ترافقها سفن حماية ، وفي سبتمبر من العام نفسه، هاجمت المروحيات الأمريكية سفينة إيرانية بعد مشاهدتها وهي تزرع الألغام ليلاً ، وبعد ذلك بأشهر، تعرضت فرقاطة أمريكية، وسفن أخرى لتفجيرات، مما دفع بالقوات الأمريكية للرد بقوة أكبر من أي وقت مضى، فدمرت قواعد الحرس الثوري الإيراني وهاجمت السفن الحربية الإيرانية .

وفي ضوءما تقدم وفى ظل اشتداد الحرب وتبادل الضربات بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى واشتداد الصراع حول غلق المضيق من عدمه ... الخ ومع ازدياد إمكانية قيام إيران بتعطيل الملاحة في المضيق في المستقبل القريب ينقسم المراقبين والمحللون حول رأيان :-

يرى أولاهما: أنه من غير المعقول أو المنطقي دخول التهديد الإيراني حيز التنفيذ لعوامل كثيرة منها: التفوق العسكري الأمريكي في المنطقة، خاصة في ضوء مرابطة الأسطول الخامس الأمريكي في مملكة البحرين ،ومنها كذلك أن ذلك سيمنع إيران نفسها من تصدير نفطها وغازها إلى الأسواق العالمية ، ومنها أيضاً أن لجوء طهران لذل سوف يلقى اعتراضاً شديداً من جانب شركاء إيران الكبار في آسيا مثل الصين واليابان وليس الولايات المتحدة وحلفاءها فحسب.

ويرى الرأى الثانى إمكانية قيام إيران بإغلاق المضيق وتعطيل الملاحة فيه بشكل كامل في ظل تضاؤل إمكانات الدفاع عن نظامها السياسي وبرنامجها النووي بعد اغتيال قادة الصفوف الأولى خلال الهجمات الامريكية الاسرائيلية بداية من 28 فبراير 2026م وتدمير الكثير من اسلحتها وبنيتها التحتية ، ويؤكد هؤلاء إلى ازدياد اسعار النفط بشكل كبير فى حالة حدوث ذلك وإمكان بلوغ سعر برميل النفط ما يتراوح بين 120 إلى 150 دولارا. لكن أصحاب هذا الفريق يرون فى الوقت ذاته أن اقدام إيران على ذلك سوف يؤدي إلى توافق دولي على حماية المضيق وتجارة النفط ، كما أنه لن يكون مفيدا للإيرانيين، كما يرون أنه ليس من مصلحة طهران معاداة العالم والقوى الاقتصادية التي يهمها استمرار تدفق امدادات النفط.

ولا يمكن مع الحديث عن الرأيين السابقين أغفال تطور موقف الرئيس الامريكى "دونالد ترامب" من قضية الإغلاق من عدمه على مدار الأسابيع الماضية ، حيث صرح فى بداية الحرب وفى أكثر من مناسبة أن السفن الحربية الأمريكية سوف ترافق حاملات النفط للمرور عبر المضيق بسلام فى حالة التهديد الإيرانى لتلك الحاملات أو الإغلاق من قبل إيران ، ثم حاول مع الوقت ايجاد حلفاء لمشاركته فى ذلك وخاصة من الدول الأوربية التى لا يصب الإغلاق فى مصلحتها ، ثم تطور الأمر اخيراً بإعلانه عن بدء مفاوضات مع إيران وأنه قد يتشارك فى إدارة المضيق مع المرشد الأعلى الجديد لإيران "مجتبى خامنئى" فى حال اتت المفاوضات ثمارها على حد قوله .

وهكذا نصل إلى أن تاريخ وماضى مضيق هرمز كان مليئاً بالأحداث التى توصف بالساخنة على طول الخط وأن حاضره يشهد صراعاً كبيراً وجدلاً واسعاً ومستمراً بين السياسة والاقتصاد ، وأن مستقبله لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات .

د. مصطفى يونس احمد جدل السياسة والإقتصاد فى منطقة هرمز المضيق بين الماضى و الحاضر والمستقبل الجارديان المصرية