الأحد 12 أبريل 2026 10:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

هدى حجاجى تكتب : مات الكلام

الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي
الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي

م يمت الكلام فجأة.

لم يسقط كجنديٍ في معركةٍ واضحة، ولم يُعلن أحدٌ خبر وفاته في نشرةٍ عاجلة. بل مات ببطءٍ شديد، كما تموت المدن حين تتآكل أطرافها قليلًا كل يوم، حتى يكتشف أهلها ذات صباح أنهم يعيشون فوق أنقاضٍ لا تشبه الذاكرة.

في البداية كان الكلام حيًّا، صاخبًا، يشبه سوقًا قديمًا في قلب المدينة؛ أصواتٌ تتجادل، وأفكارٌ تتصادم، ووجوهٌ لا تخشى أن تقول ما تعتقده. كان الناس يختلفون كثيرًا، لكنهم كانوا يؤمنون أن للكلمة وزنًا، وأن للحقيقة ـ مهما تأخرت ـ قدرةً عجيبة على الظهور.

ثم حدث شيءٌ ما.

لم يكن انقلابًا واضحًا، ولا قرارًا رسميًا مكتوبًا بالحبر الأسود. كان الأمر أشبه بظلٍ بدأ يتمدد فوق الوجوه. صار الناس يتكلمون أكثر… لكنهم يقولون أقل. كثرت الخطب، وطالت البيانات، وتضخمت العبارات حتى صارت مثل بالوناتٍ كبيرة، جميلة الشكل، لكنها فارغة من الهواء الحقيقي.

تسللت إلى اللغة كلماتٌ لامعة:
الإصلاح… المصلحة العامة… الضرورات الوطنية…
كلماتٌ تبدو نبيلة في ظاهرها، لكنها كثيرًا ما استُخدمت كأقنعةٍ أنيقة لوجوهٍ لا تريد أن تُرى.

ومع الوقت، تعلّم الناس حيلةً جديدة: أن يتكلموا دون أن يقولوا شيئًا.
صار السياسي يجيب عن السؤال بخطبة، والخطبة ببيان، والبيان بتصريحٍ آخر. دائرةٌ كاملة من الأصوات، لكنها تدور حول فراغٍ كبير.

في المقاهي، حيث كانت السياسة قديمًا حديثًا يوميًّا، صار الناس يخفضون أصواتهم. لم يعد الخوف دائمًا من سلطةٍ ظاهرة، بل من شيءٍ أكثر غموضًا: من التعب، من اليأس، من الشعور بأن الكلام لم يعد يغيّر شيئًا.

وهكذا بدأ الموت الحقيقي للكلام.

ليس حين مُنع، بل حين فقد الناس ثقتهم به.
حين صار المواطن يبتسم بسخريةٍ كلما سمع وعدًا جديدًا، وحين تحوّلت الكلمات الكبيرة إلى نكاتٍ صغيرة يتداولها الناس في همساتهم.

في تلك اللحظة تحديدًا، مات الكلام.

لكن الغريب أن الجنازة لم تُقم.
لم تُخفض الأعلام، ولم تُقرع الأجراس. على العكس، ظل الضجيج يملأ الساحات والشاشات. مزيدٌ من التصريحات، مزيدٌ من المؤتمرات، مزيدٌ من الكلمات… كأن أحدًا يحاول أن يغطي الصمت الحقيقي بطبقاتٍ كثيفة من الصوت.
حظك
غير أن الحقيقة كانت واضحة لمن ينظر جيدًا:
حين تصبح اللغة وسيلةً لإخفاء الحقيقة بدل كشفها، وحين تتحول الكلمة إلى أداةٍ لتجميل الواقع لا لمواجهته… فإن الكلام لا يعود حيًّا، مهما علا صوته.

الكلام لا يموت بالصمت.
الكلام يموت حين يُستعمل كثيرًا… بلا معنى.

وعندها فقط، يصبح أخطر ما في السياسة ليس ما يُقال،
بل ما لم يعد أحدٌ يصدّق أنه يُقال من أجل الحقيقة.

هدى حجاجي مات الكلام الجارديان المصريه