الإثنين 13 أبريل 2026 05:44 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جرجس نظير يكتب : رسالة إلى صديقي صاحب المذهب البيروني

الكاتب الكبير جرجس نظير
الكاتب الكبير جرجس نظير

مشكلتي مع الفلسفة البيرونية ليست أنها تطرح تساؤلات عميقة، بل أنني أشعر أنني لا أواجه “فكرة” قابلة للنقاش، بل موقفًا نفسيًا وفلسفيًا مكتملًا قائمًا على الشك الجذري. هذا الشك لا يسعى إلى الوصول للحقيقة، بل إلى تعطيل الوصول إلى أي حقيقة ممكنة.
ما أواجهه ليس نقاشًا تقليديًا، بل نمطًا ذهنيًا ينفي كل شيء. فكلما طُرحت فكرة، وُضعت تحت سيف الشك، لا بهدف اختبارها، بل بهدف إسقاطها. وهنا يفقد الحوار معناه، لأنه يتحول من بحث مشترك عن الحقيقة إلى دائرة مغلقة من النفي المستمر.
يبدأ هذا الموقف من دعوى الشك في كل شيء. لكن هذه الدعوى، حين تُفحص، تحمل في داخلها تناقضها. فإذا قيل: “أنا أشك في كل شيء”، فالسؤال المنطقي هو: هل هذا الشك نفسه يقيني؟ إن كان يقينيًا، فقد ثبت وجود يقين واحد على الأقل. وإن لم يكن يقينيًا، فقد سقطت الدعوى من أساسها، لأن الشك نفسه لم يعد موثوقًا.
وحين ننتقل من التجريد إلى الواقع، يظهر خلل آخر. فالحياة اليومية لا تُبنى على الشك المطلق. الإنسان الذي يعبر الطريق لا يتعامل مع السيارات على أنها أوهام، بل على أنها واقع يتطلب استجابة حاسمة. ولو فُرض الشك في كل شيء، لتعطلت الحياة نفسها. ومن هنا يتبين أن الشك الجذري ليس موقفًا قابلًا للتطبيق، بل تصور نظري ينهار أمام أبسط مواقف الواقع.
الأمر لا يتوقف عند المعرفة، بل يمتد إلى الأخلاق. فإذا فُتح باب الشك في كل معيار، صار من الممكن القول إن العدل قد يكون خطأ، وإن الظلم قد يكون صوابًا. لكن هذا الطرح، إن قُبل، يؤدي إلى سقوط أخلاقي كامل، حيث تنتفي أي إمكانية للتمييز بين الخير والشر. أما إذا رُفض، فقد أُقر ضمنًا بوجود معيار ثابت لا يخضع للشك.
والحقيقة أن هناك معايير إنسانية مشتركة عبر الحضارات، لم تنشأ اعتباطًا، بل تشكلت عبر تراكم الخبرة الإنسانية:
الظلم مرفوض
الأذى مرفوض
الخيانة مرفوضة
الرحمة مطلوبة
هذه ليست مجرد آراء، بل نتائج خبرات متكررة أثبتت أن بقاء المجتمعات واستقرارها مرتبط بها.
المفارقة أن الشك الجذري، بينما ينكر كل المعايير، يتبنى “الشك” نفسه كمعيار لا يقبل الشك. وهنا يظهر التناقض: يتم هدم كل الأسس، مع الاحتفاظ بأساس واحد دون تبرير.
ويمكن تبسيط هذا التناقض بمثال مباشر: إذا تعرض الإنسان لسرقة، فهو لا يتعامل معها كاحتمال فلسفي مفتوح، بل يرفضها فورًا باعتبارها ظلمًا. هذا الرفض لا يحتاج إلى برهان نظري، بل يصدر عن معيار داخلي ثابت، حتى وإن تم إنكاره نظريًا.
من هنا يتضح أن الشك الجذري لا يُستخدم دائمًا كأداة للوصول إلى الحقيقة، بل قد يتحول إلى وسيلة لتجنبها. لأن الالتزام بأي حقيقة يترتب عليه التزام أخلاقي وواقعي، بينما يتيح الشك المطلق الهروب من هذا الالتزام.
الفرق الجوهري إذن هو أن الشك المنهجي يمكن أن يكون بداية الطريق إلى اليقين، لأنه يسأل ليبني، أما الشك الجذري فهو نهاية الطريق، لأنه يسأل ليهدم… ثم يترك الإنسان واقفًا على أنقاض لا يمكن العيش فوقها.

جرجس نظير رسالة إلى صديقي صاحب المذهب البيروني الجارديان المصريه