د. محمد هناء الدين يكتب : تسرع المجتمع في إصدار الأحكام
في عصر التواصل الاجتماعي الذي يعج بالأخبار اللحظية والصور المؤثرة، أصبح تسرع المجتمع في إصدار الأحكام ظاهرة واضحة لا تكاد تخلو منها أي حادثة أو حدث. ما إن يقع حادث مروري أو خلاف اجتماعي أو خبر سياسي أو حتى فيديو قصير ينتشر، حتى ينطلق الناس بأحكام متسرعة، غالبًا ما تكون عاطفية ومراعية للانفعال الجماعي أكثر من كونها مبنية على التروي والدليل. يتحول الأمر من مجرد تعليق إلى حملة جماعية، ثم إلى قرارات وقناعات تُبنى عليها مواقف وأحيانًا مصائر.
لماذا نتسرع في الحكم؟
السبب الأول هو سرعة الانتشار. في الماضي كانت الأخبار تمر عبر مراحل التحقق والتأكد، أما اليوم فإن منصات التواصل تحول كل شخص إلى محرر وناشر وقاضٍ في آن واحد. يرى المستخدم صورة أو فيديو مقطوع السياق، فيملأ الفراغات بما يناسب عواطفه: الغضب، التعاطف، أو الاستياء. وهكذا يصبح الحكم جاهزًا قبل أن تكتمل الحقيقة.
السبب الثاني هو الانفعال الجماعي. عندما يرى آلاف آخرون المنشور نفسه ويعلقون بنفس الكلمات، يشعر الفرد أنه جزء من "الحقيقة الجماعية"، فيندفع دون أن يسأل نفسه: هل أعرف كل التفاصيل؟ هل هناك رواية أخرى؟ هل انتظرت التحقيق الرسمي؟
النتيجة؟ أحكام متسرعة تُصدر قبل أن يجف حبر التقرير الأولي، وأحيانًا قبل أن يبدأ التحقيق أصلًا.
أمثلة من واقعنا تكشف الخطورة
تذكروا حادثة السيارة التي دهست طفلًا في أحد شوارع المدن الكبرى. خلال ساعات قليلة، انتشرت صور السائق وتم تداول اسمه وعنوانه، واتُّهم بالإهمال المتعمد، وطُالِب بأقصى عقوبة. بعد أيام، تبيّن أن الطفل خرج فجأة من بين السيارات، وأن السائق كان يقود بسرعة قانونية ولم يكن مخمورًا كما ادّعى البعض. لكن الضرر قد وقع: تشويه سمعة، تهديدات للعائلة، وخسائر نفسية ومادية لا تُمحى.
أو تلك القضية الاجتماعية التي انتشرت فيديو لشاب يضرب فتاة في مكان عام. انفجر الرأي العام مطالبًا بسجنه مدى الحياة، حتى ظهرت الرواية الكاملة: الفتاة كانت تهاجم أخته الصغيرة بسكين. لم يعد أحد يتذكر الاعتذار اللاحق، ولا الدمار الذي لحق بالشاب البريء.
هذه ليست حوادث معزولة؛ إنها نمط متكرر. يُحكم على الطبيب قبل أن يُعرف خطأه الطبي، وعلى المعلم قبل أن تُثبت الشكوى، وعلى الموظف قبل أن تُجرى التحقيقات.
مخاطر التسرع وأهمية وضع الأحداث في مكانها الصحيح
التسرع في إصدار الأحكام يؤدي إلى ثلاثة أضرار كبيرة:
الظلم الفردي: يُدمَّر شخص بريء، وأحيانًا يُهدَّد أو يُهاجَم جسديًا.
التشويه الاجتماعي: يفقد المجتمع الثقة في نفسه، ويصبح الجميع تحت طائلة الشك والريبة.
التضليل الجماعي: عندما تتكرر الأحكام الخاطئة، يصبح الرأي العام أداة للتلاعب، ويفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
أما وضع الأحداث في مكانها الصحيح، فهو يعني:
الانتظار حتى تظهر الحقائق الكاملة.
البحث عن الروايات المتعددة.
مراعاة السياق الزمني والاجتماعي والنفسي للحدث.
التفريق بين "الانطباع الأول" و"الحقيقة الموثقة".
كيف نعالج هذه الظاهرة؟
العلاج يبدأ من الفرد قبل المؤسسة. علينا أن نتبنى مبدأ بسيطًا: "لا تحكم حتى تسمع الطرف الآخر". يجب أن نذكّر أنفسنا دائمًا أن كل قصة لها وجهان، وأن السياق يغيّر المعنى تمامًا.
كذلك، على المنصات الرقمية أن تتحمل مسؤوليتها بتطوير أدوات أفضل لمكافحة الأخبار الكاذبة والمحتوى المقطوع السياق. أما المؤسسات الإعلامية والقضائية فتتحمل واجبًا أكبر في نشر الحقائق بسرعة وشفافية، حتى لا يملأ الفراغ بالشائعات.
في النهاية، المجتمع الواعي هو المجتمع الذي يُقدّم التروي على العاطفة، والدليل على الظن، والعدل على الغضب. إن تسرعنا اليوم في إصدار الأحكام قد يُرضي غرورنا اللحظي، لكنه يُدمّر ثقة الغد وعدالة المستقبل.
دعونا نتوقف لحظة قبل أن نكتب التعليق، ونسأل أنفسنا:
هل أنا أضع الحدث في مكانه الصحيح، أم أنا فقط أضيف صوتًا آخر إلى صخب التسرع؟












ضبط 14 طن رنجة وفسيخ مجهولة المصدر قبل طرحها بالأسواق
ضبط رنجة غير صالحة للاستهلاك الآدمى في شبرا الخيمة
بدء محاكمة المتسبب فى وفاة الطفلة رقية
القبض على سيدة هاربة من تنفيذ 112 سنة سجن
تعرف على أسعار الدواجن والبيض اليوم الجمعة 10 - 4 - 2026
سعر الذهب اليوم الثلاثاء 7 إبريل 2026 في الصاغة
ارتفاع سعر الدولار في بداية تعاملات الإثنين..
سعر الذهب اليوم في مصر الجمعة 3-4-2026 للبيع والشراء