شحاته زكريا يكتب : بين ما نشعر به وما نظهره… فجوة تتسع
في عالم يتقن صناعة الصورة أكثر مما يتقن فهم الإنسان لم تعد الحقيقة كما نعيشها هي ذاتها التي نعرضها. أصبح هناك وجهان للحياة: أحدهما داخلي صامت مليء بالتفاصيل الحقيقية؛ والآخر خارجي مُهذب مُنتقى بعناية يعكس ما نريد للآخرين أن يروه. وبين الوجهين تتسع فجوة لا تقاس بالمسافات بل بالمعنى.. هذه الفجوة لم تنشأ فجأة بل تشكلت ببطء مع تغير إيقاع الحياة ومع صعود ثقافة تعلي من قيمة الظهور على حساب الجوهر. لم يعد الإنسان يُقيم فقط بما هو عليه بل بما يبدو عليه. ولم تعد المشاعر تعاش بصدقها الكامل بل تعاد صياغتها لتناسب السياق العام حتى وإن فقدت شيئا من حقيقتها في الطريق.. نبتسم كثيرا… ليس دائمًا لأننا بخير، بل لأننا تعودنا أن نبدو كذلك.
نقول لا بأس بينما في الداخل حكاية طويلة من الأسئلة والقلق .. نشارك لحظات النجاح ونخفي بصمت ما سبقها من تعثر أو شك.. وهنا لا تكمن المشكلة في إخفاء الألم أو في الرغبة في الحفاظ على الخصوصية فذلك جزء من طبيعة الإنسان بل في الاعتياد على هذا الانفصال بين الداخل والخارج حتى يصبح هو القاعدة لا الاستثناء. حينها لا يعود الإنسان يمثل نفسه بل يمثل صورة عنها.. لقد صنعت الحياة الحديثة بوسائلها المختلفة مساحة واسعة لهذا التناقض. وسائل التواصل الاجتماعي التي فتحت الأبواب للتعبير وضعت أيضا معايير غير مرئية لما يجب أن يكون عليه هذا التعبير. معايير تفضل الكمال وتحتفي بالنجاح وتهمل التفاصيل العادية التي تُشكّل في حقيقتها جوهر الحياة.
ومع تكرار هذا النمط يبدأ الإنسان في تعديل ذاته لتلائم هذه الصورة. لا لأنه يريد أن يخدع الآخرين بل لأنه يخشى أن لا يقبل كما هو. وهنا تتحول المسألة من مجرد عرض إلى ضغط ضغط أن تكون دائمًا في أفضل حال حتى وإن لم تكن كذلك.
هذه الفجوة وإن بدت في ظاهرها بسيطة تحمل في عمقها أثرًا كبيرا. لأنها تخلق حالة من الاغتراب الداخلي. يشعر الإنسان أنه يعيش حياتين: واحدة حقيقية وأخرى مُعلنة. ومع الوقت تتسع المسافة بينهما فيفقد الاتصال الطبيعي بين ما يشعر به وما يعبّر عنه.. ولعل أخطر ما في هذا الأمر أنه لا يظهر في صورة أزمة واضحة. لا يُصنّف كمرض ولا يُرصد في تقارير لكنه يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية: في فقدان الحماس في تراجع القدرة على الاستمتاع في شعور دائم بأن هناك شيئا غير مكتمل دون القدرة على تحديده بدقة.. إن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى قدر من الاتساق الداخلي. أن يشعر أن ما يُظهره يعبر عنه لا يناقضه. أن يجد مساحة آمنة للتعبير عن ضعفه قبل قوته وعن حيرته قبل يقينه. لأن الكمال ليس هو ما يمنح الإنسان راحته بل الصدق.
لكن الواقع لا يساعد دائما على ذلك. فالثقافة السائدة تميل إلى تمجيد القوة وإخفاء الهشاشة. إلى الاحتفاء بالنتائج وتجاهل الرحلة. إلى تقديم الإنسان في صورة مكتملة حتى وإن كان في داخله كثير من النقص الطبيعي.. وهنا يصبح الصدق مع الذات فعلا يحتاج إلى شجاعة. أن يعترف الإنسان بما يشعر به لا بما يُفترض أن يشعر به. أن يتقبل لحظات ضعفه لا أن يخجل منها. أن يُدرك أن التناقض جزء من التجربة الإنسانية لا عيب يجب إخفاؤه.. وفي هذا السياق لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن التحولات الأوسع التي يعيشها العالم. فالإيقاع المتسارع والضغوط المتزايدة والتنافس المستمر كلها عوامل تدفع الإنسان إلى البحث عن صورة مستقرة حتى وإن كانت على حساب حقيقته الداخلية. لأن الثبات الظاهري في كثير من الأحيان يُعطي إحساسا زائفا بالسيطرة.. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يمكنه أن يستمر طويلا في هذا الانفصال. فالمشاعر التي لا تعبر عن نفسها لا تختفي بل تتراكم. ومع الوقت تتحول إلى عبء داخلي يُرهق النفس ويؤثر في التوازن العام.. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين. ليس المطلوب أن نكشف كل شيء ولا أن نُلغي الخصوصية بل أن نعيد الاعتبار لفكرة الإنسان الحقيقي. أن نسمح لأنفسنا بمساحة من الصدق لا تقاس بمدى إعجاب الآخرين بل بمدى اتساقنا مع ذواتنا.. كما أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده بل على المجتمع أيضًا. فحين تتغير المعايير ويتسع القبول للتنوع الإنساني ويصبح التعبير عن المشاعر أمرا طبيعيا لا مدعاة للضعف تقل هذه الفجوة تدريجيا. ويصبح الإنسان أكثر قدرة على أن يكون نفسه دون خوف أو تصنع.. في النهاية لا يمكن إلغاء هذه الفجوة تماما فهي جزء من طبيعة الحياة المعاصرة. لكن يمكن تقليصها. يمكن أن نقترب أكثر من ذواتنا وأن نُقلل المسافة بين ما نشعر به وما نظهره.. لأن الاتزان لا يعني أن تكون دائما قويا بل أن تكون صادقا ولا يعني أن تظهر كل شيء بل أن لا تُخفي نفسك عن نفسك.. ففي عالم يزداد ازدحاما بالصور تظل الحقيقة البسيطة أكثر ما يحتاجه الإنسان: أن يكون كما هو… دون أقنعة.












إصابة ام وابنتها في حريق بالقناطر الخيرية
ضبط عامل لاتهامه بإصابة صاحب مخزن بطعنة نافذة في أوسيم
1 يونيه.. نظر طعن المتهم بالتعدي على الطفل ياسين فى البحيرة
مصرع سيدتين إثر انهيار غرفة بمنزل طيني في أخميم
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل