الثلاثاء 12 مايو 2026 04:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

السيناريست عماد النشار يكتب : التحول الرقمي لسهام العدو

السيناريست عماد النشار
السيناريست عماد النشار

يُنسب للإمام الشافعي أنه عندما سُئل عن كيفية النجاة في زمن الفتن ،أجاب "اتبع سهام العدو تنجو" ،فلم تكن إجابته مقتصرة في معناها الظاهر على السهام التقليدية المستخدمة في الحروب والصيد ، بل كان مضمونها أعمق وأوسع ، لتشمل كل الحيل والامكانيات التي يستخدمها العدو لحسم معركته ، من زرع جواسيس وتجنيد عملاء لبث الإشاعات ونثر بذور الفتن لشق الصف وزعزعة الإيمان وإحداث الفرقة بين أبناء الأمة ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ، الذي نال ما ناله من هذه السهام التقليدية في غزواته ، والمعنوية عندما أشاعوا عنه أنه ساحر وشاعر ومجنون ، ومحاولة الطعن في شرف السيدة عائشة بحادثة الإفك ، وما تلى ذلك بعد انقضاء زمن النبوة من ردة وادعاء نبوة ،ولم تنتهي سهام العدو المعنوية المسمومة عند الفتنة الكبرى ،التي ابتدرها عبدالله بن السوداء والتي تعاني الأمة آثارها حتى اليوم ، بل أخذت السهام في التقدم وبما يتماشى مع كل عصر، فتطور السهم التقليدي وأصبح منجنيق ومسدس وبندقية ومدفع وقنبلة وطائرة وصاروخ ومسيرة ، وجنبا إلى جنب تطورت معه السهام المعنوية ، من شعر يلقى ومخطوطات توزع ، لمطابع تنشر، لصحف وإذاعة وسينما وتليفزيون وفضائيات وانترنت ، وهذا ما يطلق عليه خبراء الحرب والسياسة بحروب الجيل الرابع والخامس ، التي تنطلق فيه الحرب بهجوم تقترن أسلحة الحرب التقليدية بأسلحة معنوية هدامة بالغة الشراسة ،باستخدام كل أدوات ووسائل الميديا والدعاية الحديثة الأكثر تطورا لشن هجمات كاسحة على الثقافة والأيديولوجية، لاستهداف العقول والأفكار عن طريق تجنيد جيش من العملاء على صفحات التواصل الإجتماعي بحسابات وهمية وهذا ما يطلق عليه الذباب الالكتروني ، أو عملاء ظاهرين يخرجوا علينا في ثوب خبراء ومحللين ودعاة فكر وتنوير تم استقطابهم واستخدامهم مع توفير كافة سبل الدعم المادي واللوچيستي لهم ، مع قاعدة جماهيرية من المتصهينة قلوبهم والسفهاء، ومعهم الآلاف من الحسابات الوهمية والتطبيقات التي تمنح هذه الأعداد نظير بضع دولارات زهيدة، حتى أصبحوا قواعد ومنصات تنطلق منها كل السهام الرقمية المسمومة لإصابة أهدافهم بدقة ، ولم تتوقف سهام العدو الرقمية عند حدود الصراعات الكبرى والمعارك العسكرية، بل امتدت لتتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية ومجتمعاتنا من الداخل، عبر آلاف الحسابات الوهمية التي تدار في الخفاء، مهمتها بث الشائعات، واغتيال السمعة، وتشويه الرموز الوطنية والثقافية والدينية، وصناعة معارك وهمية بين أبناء المجتمع والوسط الواحد، حتى أصبح البعض يستيقظ يوميا على خبر كاذب، أو مقطع مجتزأ، أو حملة ممنهجة تستهدف شخصية ناجحة أو صاحب موقف، في محاولة لهدم القدوات وإشاعة حالة عامة من الشك وفقدان الثقة في كل شيء، ولم يعد مطلوبا من تلك الجيوش الإلكترونية أن تقنع الناس بفكرة بعينها، بقدر ما تسعى إلى نشر الفوضى الذهنية، وضرب الثوابت، وتحويل منصات التواصل إلى ساحات للابتزاز المعنوي والمادي والتشهير والتشكيك، حتى ينشغل المجتمع بنفسه، ويتحول أبناؤه إلى خصوم يتبادلون السهام نيابة عن العدو الحقيقي الذي يراقب المشهد من بعيد وهو أكثر اطمئنانا لنجاح خطته.
والخطورة الأكبر أن هذه السهام الرقمية لا تكتفي بإطلاق الشائعات أو تشويه الرموز فحسب، بل تعمل على إعادة تشكيل العلاقات داخل المجتمع نفسه، فتزرع الشك بين الأصدقاء، والريبة بين أفراد الأسرة الواحدة، وتدفع الناس إلى التناحر حول قضايا مفتعلة يتم تضخيمها بعناية، حتى يصبح الجدل اليومي وقودا دائما لمعركة لا يدرك كثيرون أنهم مجرد أدوات فيها، ومع التكرار المستمر للأكاذيب، ومحاولات قلب الحقائق، وتصدير النماذج الزائفة، وإسقاط كل قيمة حقيقية، يصبح المجتمع أكثر هشاشة وقابلية للاختراق، وتصبح معركة الوعي هي المعركة الأهم، لأن الأمة التي تُهزم أخلاقيا وفكريا من الداخل، لا يحتاج أعداؤها إلى كثير من الجهد لإسقاطها من الخارج.

السيناريست عماد النشار التحول الرقمي لسهام العدو الجارديان المصريه