الثلاثاء 12 مايو 2026 05:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

المستشار محمد خلف حسن يكتب : الرقابة الإعلامية بين الضبط القانوني وحماية الحريات

المستشار محمد خلف حسن المحامي بالنقض
المستشار محمد خلف حسن المحامي بالنقض

في زمنٍ باتت فيه المنصات الإعلامية تتسابق على الإثارة قبل التحقق، وارتفعت فيه أصوات الجدل حول تجاوزات مهنية ومحتوى يفتقر أحيانًا إلى المعايير الحاكمة للعمل الإعلامي، عاد ملف تنظيم المشهد الإعلامي إلى واجهة النقاش العام بقوة. فبين من يرى أن بعض الممارسات الإعلامية تجاوزت حدود المسؤولية المهنية وأصبحت تهدد وعي المجتمع واستقراره، وبين من يتخوف من أن تتحول أدوات التنظيم إلى قيود تمس حرية التعبير، تظل الحاجة ملحة إلى قراءة قانونية متوازنة تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتُميز بوضوح بين الرقابة بوصفها أداة لحماية المجال العام، وبين التضييق الذي قد يطال الحقوق والحريات. ومن هنا تبرز أهمية تناول الإطار القانوني المنظم للرقابة الإعلامية في مصر، وحدود هذه السلطة وضماناتها الدستورية والقضائية.

تمر الممارسة الإعلامية في الآونة الأخيرة بمرحلة دقيقة من الضبط الإجرائي حيث تصدرت قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المشهد القانوني مستهدفة تقويم الأداء المهني لبعض القنوات الفضائية هذا الحراك يفتح باب النقاش حول التكييف القانوني لهذه القرارات ومدى مواءمتها للدستور والقانون
أولاً: السند الدستوري والقانوني لسلطة الضبط
لا تستند الرقابة الإعلامية إلى أهواء إدارية، بل هي "سلطة ضبط إداري" من نوع خاص، مستمدة من المادة (211) من الدستور المصري والتي منحت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استقلالاً فنياً ومالياً وإدارياً لضمان حرية الصحافة والإعلام والتزامها بمعايير المهنية
ويعد القانون رقم 180 لسنة 2018 (قانون تنظيم الصحافة والإعلام) هو المرجعية الإجرائية حيث تمنح المادة (94) منه المجلس الحق في اتخاذ تدابير تبدأ من "الإنذار" وتصل إلى "سحب التراخيص" أو "توقيع غرامات مالية" عند مخالفة ميثاق الشرف الإعلامي أو تهديد مقتضيات الأمن القومي
ثانياً: فلسفة "ضبط الأداء" لا "المنع"
إن القرارات الأخيرة بضبط أداء بعض الفضائيات تهدف في جوهرها القانوني إلى حماية حق المجتمع في "إعلام آمن ومهني" فالقانون لا يعاقب على "الرأي" بل يتدخل لضبط "الخروج عن الأطر المهنية" مثل:
مخالفة المحتوى: كالتحريض على العنف أو خطاب الكراهية انتهاك خصوصية الأفراد ... وهو ما يتقاطع مع الحماية المدنية والجنائية للحرمة الخاصة
تجاوز ضوابط الأمن القومي .. خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة
ثالثاً: الرقابة القضائية.. الضمانة الأخيرة
من الناحية القانونية تظل قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام "قرارات إدارية" تخضع لرقابة القضاء الإداري، فالمتضرر من قرار الوقف أو الغرامة يملك الحق في الطعن أمام محكمة القضاء الإداري والتي تبسط رقابتها على "ركن المشروعية" و"ركن السبب" لضمان عدم انحراف السلطة في استخدام حقها في الضبط
الخلاصة ....
إن التوازن بين "حرية التعبير" و"مسؤولية الكلمة" هو العقد الاجتماعي الذي يحميه القانون وضبط الأداء الإعلامي ليس تقييداً للحقوق، بل هو تفعيل لدور الدولة في حماية الفضاء العام من الفوضى، شريطة أن تظل هذه القرارات محكومة بضوابط الضرورة والتناسب والشرعية الإجرائية
وفي النهاية، تبقى الكلمة أمانة، والإعلام ليس ساحة مفتوحة للفوضى ولا منصة محصنة ضد المساءلة. فكما أن الحرية حق أصيل لا يجوز الانتقاص منه، فإن المسؤولية واجب لا يجوز التنصل منه. والمجتمعات التي تنجح في بناء إعلام قوي ومؤثر هي تلك التي تُرسخ معادلة دقيقة: إعلام حر... لكنه منضبط، ونقد مشروع... لكنه مسؤول، وسلطة تنظيمية... لكنها خاضعة للقانون. وعندما يختل هذا التوازن، يصبح المشهد الإعلامي إما رهينة الانفلات أو أسير التقييد، وكلاهما خطر لا يقل عن الآخر.

المستشار محمد خلف حسن الرقابة الإعلامية بين الضبط القانوني وحماية الحريات الجارديان المصريه